الراحل الشيخ محمد جواد مغنية: من بائع لحلوى الى علم من اعلام الفكر

كان رده على متهميه بالشيوعية: أحمده تعالى على حظي عند شرار خلقه
لمع نجمه في سماء المعرفة على مدى عقود بل قرون تاركين للاجيال ثروة كبيرة من المعرفة والمؤلفات الفكرية ، أنه العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية الذي ولد في بلده طيردبا قضاء صور في مطلع القرن العشرين.
وفي هذه الفترة كان الفتى مغنية على موعد مع الألم حيث كان فتى يافعاً لا يستطيع مواجهة الصعاب بعد ان توفت والدته وهو بعمر السادسة ، ولم يكتفي قدره المرير بهذا فحسب، بل اخذ منه والده لتكتمل بذلك حلقات مسلسل زمن الاسى الذي القى بحماله على هذا الفتى بعمر مبكر وحوَّل حياته إلى اليتم والفقر والعوز حتى ملأ قلبه نقمة على الظلم والفساد وكان يمتلك حسّاً مرهفاً وعلماً وإيماناً وجهاداً لم يبخل به على أمته بعد أن امتلك هذه العلوم الاسلامية في النجف الأشرف وقبلها في قريته على يدي شيوخها الحوزووين.
لقد قصد مغنية النجف الاشرف في العشرينات طلبا للعلوم الاسلامية التي بدأها في قريته والتي تابع تلقيها في النجف طيلة أحد عشرة عاماً ، وليعود بعدها إلى وطنه حاملاً بقلبه الإيمان والعلم في العقل والقلم ليكونا سلاحاً يدافع به عن هذا الدين الإسلامي وقيمه وحضارته.
عُرف الشيخ مغنيه بالصبر والمثابرة والجهاد فقد كان يبيع الحلوى والكتب قبل سفره إلى النجف الاشرف الذي غيَّر مجرى حياته من بائع للكتب والجرائد والحلوى إلى دخوله صفحات التاريخ مع العظماء والحكماء.
من القضاء الى التأليف
يصوِّر الشيخ محمد جواد مغنية وقائع رحلته إلى النجف الاشرف في العام 1952 التي اقترنت بالمجازفة والمغامرة والشقاء بلا مال او جواز سفر مما دعاه للوقوع في يد السلطات لتعيده إلى وطنه ولكن المشيئة الإلهية حالت دون هذا وتابع هذا الشاب المقدام طريقة إلى مبتغاه برحلة الشقاء والتعب والإصرار على تلقي دراساته في العلوم الإسلامية، وعند وصوله إلى النجف الأشرف راح ذلك الشاب اللامع ينشط في الدنيا بتحصيل العلوم الإسلامية في ظل ظروف حياتية صعبة والتي لم تكن أقل مرارة عنها في لبنان.
وبعد عودته من النجف في العام 1936 دخل سلك القضاء الشرعي فعيّن قاضياً في بيروت ثم مستشاراً للمحكمة الشرعية الجعفرية العليا فرئيساً لها لكن عدم التزامه بمطالب بعض النافذين أدى إلى إقصائه عن رئاستها وأحيل للتقاعد وهكذا كان مثال العالم العادل الذي لا تأخذه لومة لائم في الله… وانصرف بعدها الشيخ إلى التأليف ليغني المكتبة الإسلامية بجواهر مؤلفاته.
الصبر زاد العلم
يقول "أن العالم وبخاصة في هذا العصر، عصر التغيير والتطور الهائل هو الذي يواصل السير على طريق المعرفة والعلم، فاذا احجم عن طلبه، لانه بلغ في النهاية بزعمه، فقد انتهى العلم منه، ولم ينته هو إلى شيء منه. وفهمي هذا للعالم هو الذي خلق في الصبر والاحتمال من اجل العلم وتحصيله، وأيضاً صبري على ما لاقيت في طلبه هو الذي اوحى الي بهذا الفهم، وجرأني على أن أقول: كل من ادعى العلم، وقطع صلتة بالكتاب بعد المدرسة فهو كاذب في دعواه… ولست اعرف كلمة أصدق من قول أمير المؤمنين(ع).
(إذا أعطيت العلم كلك أعطاك بعضه) فإن كلمة (كلك) تومئ إلى الاستمرار في طلبه نهاراً ما قوله (قيمة كل امرئ ما يحسن) فمعناه أن يتمنى معرفة ما يتصدى لمعرفته ويطلع به، ما من شك أن الاتقان يستدعي إعادة النظر والبحث مرات ومرات".
ويضيف: "النجف لغز محير يدخلها واحد من الناس لا يعرف له اصل ولا فرع لا مال كفيل من إنسان أو نظام، ولا شغل في تجارة أو مهنة أو غير ذلك لا شيء على الإطلاق إلا القصد إلى طلب العلم… ثم تمضي الأيام وإذا بهذا النكرة المعدم علم في الأعلام"، إن النجف برأيه لا نظير لها بالعالم.
كانت التهمة باليسار والشيوعية موضة العصر في الخمسيات ولم يسلم الشيخ من هذه التهمة ولكنه لم يهتم لها وسخر منها وقال "أما التهمة باليسار والشيوعية فلن تفزعني، لأني على يقين من من ديني وإيماني، وأني أحمده تعالى على حظي عند شرار خلقه".
ولع بالقراءة
كان معروفاً عن الشيخ محبته الشديدة للقراءة فلطالما شوهد يحمل الصحف والمجلات وكان يذكر هذا بفخر ويقول (أنا من أفنى في المطالعة والكتابة عمره… لقد قرأت آلاف الكتب والصحف والمجلات وكتبت ستين مؤلفاً بعض منها بعدة مجلدات كما كان يقول (أحب أن أقرأ كثيراً وأكتب قليلاً، بل أحب أن أكتب إلا إذا لم أجد مفراً من الكتابة، أي عندما أحس في نفسي شيئاً لا يدعني أهدأ وأستقر حتى أعلنه للناس، إني أتعطش للقراءة والمطالعة وأود أن أشغل وقتي كله فيها ليل نهار…).
لقد كان الشيخ مغنية زاهداً في الدنيا عصامياً استطاع أن يشق طريقه في الحياة حتى أصبح علماً من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر. كان باستطاعته أن يعيش عيشه مترفة ولكنه رفض ذلك على حساب قناعاته وابتعد عن الكثير من مغريات الحياة البراقة الزائفة.
  

آخر تحديث: 27 أبريل، 2012 3:11 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>