الفيتو

حفلت الساعات الأخيرة بردود الأفعال على "الفيتو" الروسي – الصيني على مشروع قرار عربي – غربي بشأن سورية، للمرة الثانية، في غضون أربعة أشهر تقريباً، (الأول في تشرين الأول 2011)، ما يفسر تمسك هاتين الدولتين بقرارهما النابع من قراءة معمقة للمنطقة وما يدور فيها من حوادث لا تهدف سوى الى بسط هيمنة الدول "الراعية" لها على كامل مقدراتها الاقتصادية ولي ذراع الدول "المتمردة" على ذلك لصالح الدول المذعنة لتلك السياسة الرعناء.  

السؤال الذي يطرح مباشرة على اثر "الفيتو" يتمحور حول الخطوة التالية للمحور العربي – الغربي بعدما تلقى الصفعة المدوية هذه المرة، لأنها أتت بعد جهود مضنية خاضها ذلك المحور قُدّمت خلالها كل الإغراءات ومورست كل الضغوطات من أجل إدخال ولو تعديل بسيط على الموقف الروسي – الصيني لكنها فشلت، فما يمكن أن يلجأ اليه المحور المذكور اصبح محدوداً جداً ويتلخص بالسعي المتواصل سياسياً الى فرض مزيد من العقوبات وممارسة اقصى انواع الضغوطات على الدولة والحكومة في سورية التي لا يمكن أن يثنيها أي من هذه الضغوط عن قرار اتخذته بالذهاب الى الحسم الذي بدأ منذ ايام أي ما قبل جلسة مجلس الأمن أول من أمس السبت.
وفي هذا السياق فإن مصادر سياسية مواكبة لتطور الأزمة في سورية تقول إن قرارات الحسم التي اتخذت على جميع مستويات الدولة في البلاد لن يتم التراجع عنها إلا بعد الإجهاز على ظاهرة استخدام السلاح وعودة الأمن على كل الأراضي السورية بدءاً من أرياف دمشق وصولا الى حمص بؤرة التوتر الأساسية، والتي بدأ فيها تطبيق خطة جديدة ستظهر تفاصيلها تباعاً طبقاً لسير العمليات العسكرية التي ستنفذ على الأرض، في حين أن الأيام القليلة المقبلة ستحمل اخبار الإنتهاء من تنظيف محيط العاصمة، فيما تنقل هذه المصادر عن مسؤولين سوريين ان لا مشكلة في محافظة إدلب التي تعتبر "ساقطة" عسكرياً.

ما يدفع المصادر الى قول ذلك هو ما سمعته من مرجع سوري رفيع أخيراً، علماً أن الجو السياسي الدولي والإقليمي يساعد السلطات السورية على تنفيذ الحسم بارتياح كامل من دون التأثر بالضغوطات التي تمارس من كل حدب وصوب، ذلك أن دول "الفيتو" تطلب من الحكومة السورية الإسراع في انهاء الوضع على الأرض وفق معطيات جمعتها عبر سفاراتها، مفادها أن اكثر من نصف السوريين ما زالوا يؤيدون الرئيس بشار الأسد، في حين أن النصف الآخر منقسم بين فئتين: واحدة صغيرة لا تتجاوز العشرة بالمئة وهي المتورطة بأعمال العنف المسلح والسياسي، في حين أن الفئة الثانية التي ربما تصل الى ثلاثين بالمئة وصفتها المصادر بـ"المهتزة" المنتظرة لتميل كيفما تميل الأمور.

غير أن ما حكم اتخاذ روسيا والصين قرار "الفيتو" لا ينحصر بما جمعته سفارتاهما في دمشق من معطيات، فالأمور تتصل بالنظرة التي يرى فيها الجانبان صورة المنطقة في حال سقطت سورية بين فكي "المفترس" الأميركي وعرّاب المحور العربي – الغربي، وما يمكن أن ينتج من ذلك من تغيرات جذرية في خارطة المنطقة الجيوسياسية، وتعرض استقرار هاتين الدولتين للخطر ليس فقط من الناحية الأمنية – السياسية، وإنما من الناحية الاقتصادية.
اذاً رهان المحور العربي – الغربي المتبني لخيار العشرة بالمئة من السوريين على مجلس الأمن قد سقط على الأقل مرحلياً، في وقت دخل فيه السباق بين بداية المرحلة الجديدة لتحرك ذلك المحور وانتهاء الحكومة السورية من مرحلة الحسم التي بدأتها، لتتضح صورة المرحلة المقبلة التي من الممكن أن تكون اشد "حماوة" من المرحلة التي سبقت إذا ما أقدم "تفتق" العقل المتآمر على المنطقة وشعوبها من توسيع دائرة التوتر الى ساحات مضطربة اصلا، مثل لبنان القريب والمهيأ للتفاعل مع متطلبات التوتير الذي يسعى اليه المحور العربي – الغربي، في ظل عمليات التسليح المستمرة في الداخل والدور الذي تلعبه خاصرة لبنان الطرية في الشمال في تغذية الجماعات المسلحة في سورية، ما لا يتلاءم أبداً مع مبدأ "النأي" بالنفس الذي ابتدعه رئيس الحكومة "النجيب" "ابن البلد" ودوره في تلك الخاصرة انطلاقاً من مستوى حضوره فيها.  

آخر تحديث: 6 فبراير، 2012 9:46 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>