جغرافية مرتبكة : منازل العربان وحدود بلاد بشارة

من حيث الأرض، تجمع المصادر العاملية، تقريباً، على التحديد التاريخي لجبل عامل، الذي يورده "مؤرخ جبل عامل" الشيخ علي السبيتي، في كتابه "الجوهر المجرد في شرح قصيدة على بك الأسعد"، يقول: "حد جبل عامل القبلي النهر المسمى بنهر القرن الجاري شمال طيرشيحا إلى البحر جنوب قرية الزيب… وشمالاً النهر المسمى بالأوليّ… ومن الغرب البحر المتوسط ومن الشرق أرض الخيط إلى الوادي المسمى بـ"عوبا"، إلى نهر الغجر في الحولة…".
وبشيء من التفصيل يلقي الشيخ السبيتي من الجنوب ضوءاً على الإشكالات الناتجة عن هذا التحديد المتعارف عليه في زمان المؤلِّف، فيقول: "يدخل فيه قرى خارجة عنه منها: قرية (الزيب) وهي قرية على البحر… لم تتبع البلاد أصلاً. ومنها (البصة) وهي بسفح الجبل المسمى بـ"لبون" بالكرمل، (وهي بالقطع تابعة لبلاد عاملة)، ولم تزل تابعة جبل عامل منذ القديم حتى قتل ناصيف (النصار 1780م، 1196هـ)، فتبعت عكا. وقد اختلف ناصيف وظاهر العمر عليها حتى جرت (بينهما) حروب طربيخا. ومزارع البصّة، إلى الآن (يومذاك) أكثرها تخص جبل عامل، وخراجها يؤدي إلى قلعة تبنين. ومنها: الأرض المسماة بـ(الجليل)… وكان… خاصاً ببلاد بشارة إلى أيام (أحمد باشا) الجزار سنة 1196هـ، حينما قُتل أمير البلاد ناصيف النصار… فرآها أهل طيرشيحا فرصة لاختلاس تلك الأرض… إلا أنها لم تسلم لهم لأنها منازل عربان من بلاد بشارة وصفد. ولما رجع حكْم البلاد إلى آل علي الصغير… أقام كبيرهم حمد البك المحمد عليها دعوى… في ديوان الإيالة في بيروت سنة 1263هـ، وتهيأ له شهود من الزيب وطيرشيحا… بأنها كانت تابعة بلاد بشارة قديماً، وكان عدم قبول الوالي (الدعوى) من حمد البيك مجرد مرام وعصبية… وفي الشرق من حد جاليل مزرعة تخص جبل عامل تسمى المعاصر، وخراجها تغرُمه مقاطعة تبنين… فالأمر واضح باختصاصها ببلاد بشارة… ومنها: خربة ديشوم في الشرق من بلاد بشارة، وأرضها مع أرض قَدَس هي الآن تابعة بلاد صفد". أما من الشرق فكان جبل عامل يضم – حسب السبيتي – "الأرض المسماة بالخيط المفصول بينها وبين الحولة والجولان بنهر الأردن والجبل الغربي إلى غير ديشوم، إلى مقام نبي الله يوشع. كان ذلك كله تابعاً لجبل عاملة. أما الآن فلا…".
ولكن السيد محسن الأمين يضائل نطاق جبل عامل، فيُخرج منه صيدا والحولة وصفد، يقول: "وأما نفس مدينة صيدا فدخولها في جبل عامل مشكوك فيه. وأما الحولة فخروجها عن جبل عامل معلوم من العُرف ومن ظاهر ما ذكره ياقوت في معجم البلدان… والحولة هي من أرض الأردن وتسمى الأردن الصغير… آخر جبل عامل من ناحية هونين… وصفد… خارجة عن جبل عامل بحسب المتعارف كما عرفت، ولكن في معجم البلدان: "(صفد) بالتحريك مدينة في جبل عاملة المطلة على حمص(؟!) وهي من جبال لبنان" .
أما الشيخ علي الزين فيرى وجوب إضافة صيدا إلى جبل عامل، انطلاقاً من قول اليعقوبي: "بنو عاملة في جبال صيدا". كما يضيف "البرامية وروم وجزين ومشغرة إلى جبل عامل"؛ لأن ذلك "أدعى لتحقيق مصداقه العلمي". وعليه، فإن الحد الشمالي لجبل عامل – حسب الشيخ علي الزين – يبدأ "بمصب نهر الأولي شمالي صيدا… ثم يذهب صُعداً إلى الشرق شمالي قرية البرامية… وروم… إلى أن يصل إلى جزين فتضم إليها… مع القرى التي كانت تابعة لمقاطعة جزين، ويقطع جبل التومات (نيحا) منحدراً إلى مشغرة، ويتصل بنهر الليطاني من شمال سحمر، ثم يذهب إلى أن ينحط على ينبوع النهر الحاصباني، ويتجه عندئذ جنوباً على مجرى النهر المذكور. فيدخل فيه (في جبل عامل) جبل الظهر ومشغرة وعين التينة وميدون وسحمر ويحمر (وغيرها) من قرى البقاع الجنوبي، وتدخل فيه قرى كوكبة وبرغز وسوق الخان من ناحية حاصبيا. ثم ينتهي هذا الخط على ضفة بحيرة الحولة الغربية، وينعطف غرباً جنوبي مقام النبي يوشع وشمال الهرّاوي، ويمتد غرباً فيتبع مجرى وادي فارة وينتهي عند مصب وادي القرن جنوبي قرية البصة والزيب. فتدخل فيها قرية الخالصة من أرض الحولة وهونين وقَدَس ويوشع ثم آبل القمح وصلحة والمالكية وتربيخا من القرى التي أُلحقت بفلسطين، وتدخل فيه قرية البصة التي كانت مثار النزاع بين العامليين وحكام عكا" .
أما متوسطات أبعاد جبل عامل فتقدّر: طولاً بنحو 80 كلم، وعرضاً بنحو 40 كلم، ومجمل مساحته بنحو 3200 كلم2… وفي العهد العثماني، كان سنجق صيدا (جبل عامل) من ولاية بيروت، وحدوده تصل إلى شمالي عكا.
ومن حيث الهوية، يعتبر العامليون أنفسهم "مسلمين وعرباً" في آن . فهم بسِمتهم الإسلامية الشيعية لم يختلفوا عن غيرهم من مسلمي السلطنة، في تطبيق السياسة العليا لدولة المسلمين… فـ"لا يكادون يشعرون بغير الجنسية الدينية" . أما سِمتهم العربية فيعبِّرون عنها بأنهم "من أعرب العرب أدباً ونسباً"، ويندرج تطور الحركة العربية لدى العامليين في السياق العام لعرب الدولة العثمانية. وبالتالي، إن الهوية السياسية العاملية يمكن وسْمها بأنها "إسلامية عربية" أو "عروبة إسلامية".
  

آخر تحديث: 24 يناير، 2012 10:56 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>