سوريا بين الشعب والنظام.. من سيتعب اولا؟

ان يصمد الشعب السوري، او قطاع عريض منه على وجه الخصوص، لاكثر من تسعة اشهر في مواجهة آلة عسكرية وامنية جبارة، فهذا اعجاز كبير بكل المقاييس، اذا وضعنا في اعتبارنا ان الانتفاضات العربية المماثلة المطالبة بالتغيير الديمقراطي لم تدم الا ستة اسابيع في الحالة التونسية، وعشرين يوما في الحالة المصرية، وربما جاءت الانتفاضة اليمنية استثناء.
رهان النظام السوري كان منصبا دائما على احتمال اساسي وهو ان يتعب الشعب، وان يتسلل اليأس الى نفوس النشطاء منه الذين يتظاهرون ويحتجون بصفة شبه يومية، ولكن هذا الشعب بصموده كل هذه الاشهر، اثبت خطأ هذا الرهان، وعدم معرفة من يتبنونه بمعدن هذا الشعب، وعناده المحق للحصول على حقوقه المشروعة كاملة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، وبقوة هو متى ستتعب الآلة الامنية للنظام من عمليات القتل والمواجهات الدموية، فلا شك انها تتعرض لضغوط كبيرة من الداخل والخارج، وهي لا تستطيع ان تظل في حالة طوارئ واستنفار مستمرة طوال الوقت. فهي تتكبد ايضا خسائر مادية وبشرية، واعداد القتلى في صفوفها في تزايد مستمر، سواء اولئك الذين يقتلون على ايدي الجيش السوري الحر وهجماته، او بعض الجماعات المسلحة التي لجأت الى السلاح تحت عنوان الدفاع عن النفس.
الناشط السوري ميشيل كيلو ابدى تحفظا مفاجئا على التوجه الحالي لعسكرة الانتفاضة السورية في حديثه لمطبوعة فرنسية نشرته امس، ولم يتفق مع الجيش السوري الحر في هجماته على القوات السورية، لخوفه من تطور الامور نحو حرب اهلية لا يعرف احد النهاية التي ستؤدي اليها. وهذه المخاوف تستحق التوقف عندها، لان عسكرة الانتفاضة تخدم النظام اكثر مما تخدم معارضيه، مضافا الى ذلك ان الضحايا هم سوريون اولا واخيرا.
لا احد يستطيع ان يتنبأ بما يمكن ان تتطور اليه الامور، لكن ما يمكن الجزم به ان الشعب السوري بشقيه المؤيد للنظام او المعارض له، كل لاسبابه، سيواجه اياما صعبا للغاية، فالحصار بدأ يعطي ثماره المرة، وقيمة الليرة السورية انخفضت الى اكثر من النصف، والاسعار في ارتفاع جنوني، والاسواق باتت شبه خالية من المتسوقين.

حالة العناد ما زالت الطابع الرئيسي للنظام، العناد في الاستمرار في الحلول الامنية، مقابل شعب لا يريد ان يتراجع بعد ان قدم اكثر من خمسة آلاف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى.
الازمة في سورية نحو تصعيد مكلف للغاية، والتدخل العسكري الاجنبي الذي تطالب به بعض فصائل المعارضة وشخصياتها ما زال بعيدا لان حلف الناتو لا يملك خططا للتدخل حتى الآن على الاقل، كما ان النظام ما زال يحظى بدعم داخلي من فئات ترى فيه حماية لها، وعامل استقرار، ودعم خارجي من روسيا التي تبعث بالاسلحة لدعمه واطالة عمر صموده. انها محنة ربما تطول للاسف والشعب السوري الطيب الوطني يدفع الثمن غاليا في الحالين.
  

آخر تحديث: 19 يناير، 2012 8:51 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>