تظاهرة هيئة التنسيق النقابية

سار الآلاف أمس، في تظاهرة «هيئة التنسيق النقابية» المركزية، رافعين الصوت ضد سياسة تصحيح الأجور التي تعتمدها الحكومة. ولكن، بدا لافتاً غياب القوى السياسية والحزبية، عن التظاهرة المركزية بعدما ملأت فضاء الأسبوع المنصرم ببيانات التأييد والدعم لتحرك الهيئة الرافض لقرار الحكومة تصحيح الأجور، باعتباره قراراً «مذلاً ومهيناً». فاقتصر حضور تلك القوى، خصوصاً الممثلة في الحكومة، على بعض مسؤولي المكاتب التربوية من دون أن تؤمن الحشد الذي كان منتظراً من بياناتهم التي أكدت على «المشاركة الفاعلة في التظاهرة». وكسر قطاع التربية والتعليم في تيار «المستقبل» قرار عدم المشاركة في التظاهرة، بعدما أعلن النائب سمير الجسر أن التيار لن يشارك. وأوضح المنسق العام المساعد لشؤون النقابات والروابط في التيار وليد جرادي لـ«السفير» أن «قرار المشاركة يعود لقطاع التربية في التيار».

في كل حال، أزالت تلك الأجواء الشكوك حول قدرة «هيئة التنسيق النقابية» على حشد الآلاف في ساحة معركة تصحيح الأجور… على الرغم من أن بيانات الأحزاب عطّلت مشاركة عدد كبير من الأساتذة رفضاً لوجود الأحزاب، كونها معركة نقابية، إلا أن الهيئة استطاعت أن تؤكد أنها الممثل الوحيد للمعلمين والأساتذة والموظفين والطلاب وحتى للعمال، خصوصاً أنها معركة مطلبية بامتياز تطال شرائح المجتمع العاملة.
على الرغم من الضغوط التي مارسها بعض مسؤولي عدد من المدارس الخاصة في العاصمة وجبل لبنان، إلا أن الإضراب العام جاء ناجحاً بنسبة تجاوزت الثمانين في المئة، على حد تقديرات نقابة المعلمين.
ومنذ قبيل العاشرة من صباح أمس، بدأت وفود المعلمين والأساتذة والموظفين بالتجمع أمام تمثال بشارة الخوري، فضاقت بهم الساحة، ما اضطر القوى الأمنية على توسيع المساحة باتجاه منطقة البسطة. واستمر الحال على ما هو عليه حتى الحادية عشرة والربع، وهو موعد بدء المسيرة باتجاه السرايا الحكومية.

ولم يكن للتظاهرة أن تنطلق بعد بروز لافتات تدل على هوية حامليها، ما أثار غضب نقيب المعلمين في المدارس الخاصة الذي سبق وتمنى على جميع من يريد المشاركة عدم رفع مثل تلك اللافتات. وبعد سلسلة اتصالات، سحبت اللافتات المشكو منها، وانطلقت المسيرة باتجاه منطقة الباشورة وصولاً إلى السرايا، على وقع الهتافات الرافضة لقرار تصحيح الأجور والمطالبة بـ«إعادة تصحيحه على أسس عادلة وفقا لما طرح سابقا»، ومنها: «بدنا نصرخ بالعالي… بدنا العدالة… والحماية من التجار… وبدنا تصحيح الأجور والحد الأدنى والشطور».
ورفع المتظاهرون، الذين أتوا من كل المناطق والمحافظات اللبنانية، لافتات نددت بالقرار كتب عليها: «أين بدل النقل على أساس 2 في المئة من أساس الراتب؟»، و«نريد حقّنا كاملاً في تصحيح الرواتب والأجور»، و«من يمضي عشرات السنين في تربية الأجيال لبناء الوطن، يستحق بجدارة حياة كريمة في تقاعده».

 
أمام السرايا

لدى وصول التظاهرة مقابل السرايا الحكومية، كانت القوى الأمنية في انتظارها، وقد وضعت الحواجز الحديدية والأسلاك الشائكة على الطرق المؤدية الى السرايا، والى المجلس النيابي، ليتم حشر الآلاف في ساحة رياض الصلح، قرب «الاسكوا».
ولم ينتظر رئيس رابطة اساتذة التعليم الثانوي الرسمي حنا غريب، اكتمال وصول المتظاهرين الى الساحة لصعوبة ذلك، فاستهل كلمته بالإشارة الى أن التظاهر يأتي رفضاً لقرار تصحيح الرواتب والأجور، «المذل والمهين، قرار تأبى علينا كرامتنا القبول به مهما كانت الظروف والأسباب. نتظاهر لإسقاطه لأنه أسوأ من القرار الذي سبقه، لقد أرادوا من خلاله معاقبتنا لأننا أسقطنا توأمه الاول ونحن نقول لهم، ومن هذه الساحة بالذات، لن يكون مصير هذا القرار بأفضل مما سبقه فكما أسقطنا الاول سنسقط الثاني بوحدتنا النقابية وصلابة موقفنا والتفاف العمال والأساتذة والموظفين والرأي العام حولنا».
وأضاف: «نتظاهر لنقول لهم، لا للاستخفاف بعقول الناس، لا للاستهتار والاستقواء على العمال والموظفين والمعلمين، تلك هي سياسة طالما دفع أصحابها أثمانا ولسوف تدفعون إذا ما بقيتم على هذا المنوال».
وأكد غريب أن التظاهر باتجاه السرايا هو «لإدانة القرار ولمحاسبة أصحابه ودعوتهم الى التراجع عما فعلوه بحقنا وبحق الشعب اللبناني وفقرائه، من قهر وظلم واستبداد، ولنشير بأصبع الاتهام قائلين لهم: هنا اجتمعتم، هنا اجتمع من تعلمون جيدا وتعرفون وخططوا ضدنا لإصدار هذا القرار، وهناك في مجلس الوزراء صوتوا وخيبوا وخذلوا من ادعوا تمثيلهم غير مبالين بهم».
ووجه تحية إلى «الذين يقفون وحدهم في الشوارع والساحات دفاعا عن كرامة اللبنانيين جميعا وعن حقهم في لقمة العيش والحياة الحرة الكريمة». وخاطبهم بقوله: «انتم لا تدافعون عن أجوركم فحسب، انتم تبنون وحدة نقابية صرفة، تبنون وحدة للوطن بعيدة عن الانقسامات الطائفية والمذهبية».
وتوجه غريب الى المسؤولين بالقول: «لا للتسويف والمماطلة، لا لكسب الوقت، لا لتشجيع التجار على رفع الأسعار التي أكلت وهضمت الزيادة قبل إعطائها من دون رقيب او حسيب، لا للقرارات المذلة والمهينة بحق الشعب اللبناني، لا لحدين أدنى للأجور، لا للمبالغ المقطوعة، نعم للنسب المئوية الفعلية الحقيقية، لا لتقسيم الموظفين والعمال الى فئات، لا للتمييز في ما بينهم، بل نعم لتقسيم الرواتب والأجور على شطور حقيقية واضحة المعالم، ولا للأرقام الأدنى التي وعدوا بها العمال والموظفين والمعلمين في قرارهم الاول وعادوا وتراجعوا عنها في القرار الثاني، بل نعم للتراكمية في تصحيح الاجور».
وقال: «نعم للمساواة والعدالة وعدم التمييز وخلق الفتن بين الموظفين والمعلمين والعمال. نعم لاحتساب الزيادة ارتكازا الى نسبة التضخم منذ عام 1996 التي تجاوزت المئة في المئة، نريد 60 في المئة، 40 في المئة، 20 في المئة، مقسمة على الشطور».
وختم غريب: «إضرابنا وتحركنا سيستمر تصعيدا، إضرابا واعتصاما وتظاهرا، حتى يتراجعوا عن موقفهم وحتى إسقاط القرار الثاني واعتماد حل يرضي الجميع».

ثلاث رسائل

وجه النقيب نعمه محفوض، أيضاً، ثلاث رسائل الى ثلاث جهات معنية، أولها للرئيس نجيب ميقاتي وحكومته: «إذا كانت هذه الحشود للمعلمين والموظفين والعمال وذوي الدخل المحدود، هذه الشريحة الكبيرة من الشعب اللبناني لا تعني شيئا لدولته وحكومته فبرأينا هذه الحكومة لا تمثل الشعب اللبناني، بل تمثل شعبا آخر في دولة أخرى. اما ان يسمع دولته لأنين الناس وصوتهم ويعود ويفتح المفاوضات ونحن ايجابيون جدا لذلك، واما اذا استمروا في إدارة الاذن الطرشاء لنا فهذا المشهد سيتكرر مرة وثانية وثالثة في كل شوارع بيروت».
وأضاف: «الرسالة الثانية تخص القطاع الخاص، اعتبر ان إضراب اليوم من انجح الإضرابات في القطاع الخاص، ولكن أوجه رسالة لبعض المدراء الذين يعتقدون انهم يعيشون في جمهورية خاصة، يحق لهم تهديد المعلمين في لقمة عيشهم ويتخطون القانون والدستور ويهددون المعلمين بوجوب الحضور الى المدرسة، هذا الإضراب يكفله الدستور والقانون اللبناني، وهؤلاء المديرون نحن نعرفهم بالاسم وهناك قضاء بيننا وبينهم. وأقول للمعلمين لا تخافوا فلن يستطيع أي مدير ان يمس اي شعرة من رأس أي استاذ».
أما الرسالة الثالثة فكانت للقوى السياسية في لبنان، ودعاها للاتعاظ بكل أطرافها من هذه الحشود، «هيئة التنسيق النقابية هيئة مستقلة ونقابية، نريد ان نرى مواقف الأطراف السياسية التي تصدر بيانات دعم لبنان في السياسة، في مجلس الوزراء ولا نريد فقط بيانات إعلامية».
وتوجهت رئيسة «رابطة معلمي بيروت» عايدة الخطيب بكلمة مقتضبة الى «المسؤولين الذين اتفقوا علينا»، وقالت: «إنهم باتفاقهم علينا وحدونا، ولقمة العيش هي التي توحد اللبنانيين. ونقول لهم ان غلاء الأسعار وتصحيح الاجور يجمعان الكل، ولا يفرحوا أنهم اتفقوا ضدنا، باتفاقهم ضدنا وحّدونا ونحن سنبقى متحدين وهذا رسم صورة للوحدة الوطنية وعلى المسؤولين رؤيتها وأخذ العبرة منها».
وقال رئيس رابطة أساتذة التعليم المهني والتقني الرسمي فاروق الحركة: «جئنا جميعا لنقول لا للاستخفاف، لا للتعاطي مع حقوقنا باستخفاف، إننا لا نطلب ولا نريد منة او منّحة او صدقة من احد، بل نريد جزءا من حقوقنا المهدورة والعيش بكرامة وعزة نفس. لا نطلب المستحيل، انما نطلب تصحيحا عادلا للأجور وليس تخريبا».
وأضاف: «جَعَلَنا القرار الثاني نترحم على القرار الاول، فهو لم يحترم تطبيق النسب المئوية المطروحة من قبل مجلس الوزراء بشكل علمي وموضوعي ومنطقي من دون اعتماد مبدأ التراكم والتشطير مع غياب كلي لبدل النقل. وسيسقط هذا القرار ان شاء الله امام مجلس شورى الدولة، وان لم يسقط فسنعمل على إسقاطه بالوسائل القانونية والديموقراطية».
وشدد رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة الدكتور محمود حيدر على رفض القرار، مؤكداً «التمسك بمبدأ الزيادات وفق النسب المئوية على الشطور»، داعياً «الحكومة وكل المسؤولين الى معالجة ومقاربة مسألة الرواتب والأجور بالجملة وليس بالمفرق، وعلى قاعدة العدالة والمساواة بين جميع الموظفين بما يتناسب مع نسبة التضخم منذ عام 1996 والتي تجاوزت مئة في المئة». وطالب الحكومة بـ«التراجع عن قرارها على اساس ان التراجع عن الخطأ فضيلة، كما قال احد الوزراء الذين وقّعوا على القرار الأخير».
ودعا رئيس رابطة معلمي التعليم الأساسي في البقاع محمود الموسوي الى تصحيح القرار، واعدا بـ«تحركات مماثلة اذا لم تستجب الحكومة».
وأخيراً، سأل النقابي محمد قاسم: «كيف لحكومة أن تأخذ قرارا هزيلا ومذلا ومهينا للعمال أولا وللمعلمين والموظفين؟ بؤس لحكومة لا ترى أوجاع الناس، وترى مصالح بعض الأشخاص والصفقات والمحسوبيات. واعتبر أن سياسة ارتجال الحلول واتخاذ القرارات العشوائية لا يخدم سوى بعض رؤوس الأموال». 

آخر تحديث: 16 ديسمبر، 2011 11:05 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>