الشرق الأوسط الكبير والتوازنات الجديدة

عندما حذّر الرئيس السوري بشار الأسد من إمكانية اشتعال الشرق الأوسط إذا تعرّضت سورية لأيّ هجوم عسكري أطلسي، صدّق الكثيرون كلامه وأخذوه على محمل الجدّ، انطلاقاً من قراءة موضوعية لعلاقات القوى والتوازنات الإقليمية والدولية. لكنّ أميركا التي تعوّدت منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي قبل عقدين من الزمان أن تتصرف كلاعب أول على الساحة العالمية، لا تزال تتعامل، في العلن وفي السرّ، مع التهديدات السورية على أنها مجرد مزايدات إعلامية وسياسية، فالإدارة الأميركية تعتقد أن الرئيس السوري فقد زمام المبادرة بعد أن نجحت أميركا في حشد موقف عربي ودولي وراءها ضد سورية. وتأتي زيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان الأخيرة إلى المنطقة لتؤكد الاعتقاد الأميركي، أو لتوحي بأن التطورات لا تزال ماضية في الاتجاه الذي تخطّط له السياسة الأميركية.

غير أن هناك جملة من التطورات المعاكسة لتفكير وتخطيط الإدارة الأميركية فرضت نفسها بقوّة في الأيام القليلة الماضية، ما يحملنا على الاعتقاد بأن الموقف الأميركي لا يتمتع بهذه الدرجة من الثقة التي حاول فيلتمان إشاعتها بين حلفاء واشنطن، من لبنان إلى الخليج وتركيا. ويمكن القول إن جولة فيلتمان كان دافعها الحقيقي إعادة "شدشدة" لمعنويات حلفائها وطمأنتهم إلى أن الأمور تجري وفق ما هو مرسوم لها دون أي تغيير أو تراجع.
لكن واشنطن تدرك جيّداً، وبالتأكيد أكثر من حلفائها، بأنها لا تتحكم بمجرى الأحداث في سورية، وأنّ مشوارها السوري لن يكون مجرد "نزهة" كما كان عليه الأمر في ليبيا بالأمس، أو في العراق قبل ثماني سنوات.
والأسابيع المقبلة ستكشف ما قاله فيلتمان لعرب وأتراك أميركا حول التهديدات السورية والإيرانية والروسية لتركيا ولأعراب الخليج.. ولواشنطن أيضاً، كما حول فعالية العقوبات والإجراءات الاقتصادية والسياسية الأميركية والأوروبية والعربية ضد سورية في المدى القريب والبعيد.   فالإدارة الأميركية باتت مقتنعة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بأن الأزمة السورية أصبحت جزءاً غير قابل للفصل عن المعادلة الشرق أوسطية. وبالتالي فلن يكون في مقدور واشنطن بعد الآن عزل سورية عن هذه المعادلة واستفرادها، كما استفردت العراق وليبيا وغيرهما.

ففي مواجهة التصعيد الروسي السياسي والعسكري ضد أميركا وحلفائها في سورية، لم ترد واشنطن رداً حاسماً يوحي بأنها مستعدة لكلّ الاحتمالات بما في ذلك مواجهة عسكرية مع روسيا، بل على العكس، فقد أثمرت التهديدات الروسية والإيرانية بضرب القواعد العسكرية الأطلسية المتمركزة في تركيا تراجعاً ملحوظاً في نبرة الأتراك تجاه سورية. وبعد أن كانت تركيا تطالب بمناطق عازلة على حدودها مع سورية، وتتوعّد بأنها معنيّة مباشرة بما يجري فيها (وبالمناسبة لم نعرف بعد لماذا تعتبر نفسها كذلك بعد أن تخلصت منطقتنا من الهيمنة العثمانية التركية منذ مئة عام)، خففت من لهجتها «الحربجية» ضدّها على اثر التهديدات الروسية والإيرانية والسورية، معلنة أنها غير متحمّسة لعمل عسكري ضد سورية انطلاقاً من أراضيها.

هذا التراجع التركي رافقه بالتزامن تراجع عربو ـ أميركي، أو خليجو ـ أميركي على الأصحّ. ولمسنا تراجع منسوب "فروسية" عرب أميركا المستعارة من المعلّم الأميركي البشع، في المواقف الأخيرة لجامعة الدول العربية التي عادت لتليّن موقفها من سورية تحت وطأة التصعيد السوري نفسه. وبدلاً من أن تمضي الجامعة في فرض الشروط التعجيزية على سورية، عادت بسحر ساحر، لتدرس الشروط السورية التي طلبت دمشق تلبيتها قبل الموافقة على البروتوكول العربي.

أما "إسرائيل" التي يشغلها هذه الأيام "الخطر النووي الإيراني" أكثر من أي خطر آخر، فهي تنتظر حتى إشعار آخر الضوء الأخضر الأميركي للقيام بمغامرة غير محسوبة النتائج ضد المنشآت النووية الإيرانية. ولا تبدو واشنطن مستعدة لهذا الاحتمال في المدى القريب، وهي المدركة الآن، وأكثر من أي وقت مضى، بأن ضرب القوة النووية الإيرانية أصبح بدوره جزءاً غير قابل للفصل عن المعادلة الشرق أوسطية، مثله مثل سورية، ومثله مثل العراق بعد مغادرة جيوش الاحتلال الأميركي أراضيه في وقت قريب.
مجلس الأمن، بحضور الفيتو الروسي والصيني، لن يمنح أميركا فرصة تشريع تدخّلها العسكري ضد سورية، كما لن يعطيها فرصة تشريع ضربة عسكرية ضدّ النووي الإيراني (الذي يقابله السلاح النووي "الإسرائيلي").
والفيتو الروسي والصيني هو العلامة القوية لزمن جديد ولتوازنات عالمية جديدة انطلاقاً من المعادلة الشرق أوسطية التي لا تريدها روسيا والصين وإيران وسورية والعراق أن تكون على صورة "الشرق الأوسط الكبير" الأميركي. 

آخر تحديث: 10 ديسمبر، 2011 8:42 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>