فضل الله: نواجه منطقاً أستكباريا ظالما كالذي واجهه الامام الحسين نحذر من اغلاق منافذ الحوار والانزلاق في أتون الفتنة المذهبيّة

ألقى العلامة السيد علي فضل الله خطبة العاشر من محرم في مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك بعد تلاوة مصرع الإمام الحسين، وجاء فيها:
"في عاشوراء كان هناك أسلوبان ومنطقان، المنطق الاستكباريّ الَّذي عبَّر عنه يزيد عندما أرسل إلى الحسين(ع) تهديداً عبر واليه على المدينة، أن يبايع وإلا فمصيره القتل، ومنطق الحسين(ع) الَّذي قال ليزيد ولكلّ الَّذين كانوا معه سعياً إلى مصالحهم، وتقويةً لمواقع نفوذهم، وتنفيساً عن أحقادهم: "والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذَّليل، ولا أقرّ إقرار العبيد، ألا إنَّ الدّعيّ ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلَّة.. إنّي لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظّالمين إلا برما"..
ويتكرَّر الموقف من خلال كلّ المستكبرين الَّذين يستغلّون قوّتهم ليفرضوا منطقهم على كلّ الَّذين يريدون أن يكونوا أحراراً، ويعملون على استغلال أوضاعنا السياسيّة وثرواتنا ومستقبل شعوبنا لحساب رفاهيتهم ورفاهية شعوبهم..
ولذلك، فإنَّ علينا أن نقول لكلِّ هؤلاء المستكبرين والطّغاة والظّالمين، لا والله لا نعطيكم بيدنا إعطاء الذَّليل، نريد للعالم أن يحترمنا ويحترم إنسانيّتنا ويحترم دماءنا ومستقبلنا، إنَّنا من وحي عاشوراء نطلّ على كلّ واقعنا..
فلا تزال المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة تعاني من أزمات ومشاكل في أكثر من ساحةٍ تقف خلفها قوى الاستكبار العالمي، لاستفادة من تناقضاتها الداخليَّة، ولإخضاعها سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وإبقائها في فلك التبعيَّة الشَّاملة لهذا النِّظام العالميّ المتوحّش…
وفي هذا السِّياق، تستخدم هذه القوى كلّ الوسائل للوصول إلى هذا الهدف، فمرّةً تزداد التَّهويلات الغربيَّة حول نجاح الاسلاميين في هذا البلد أو ذاك في سياق السعي لحرف مسار الأمور في لعبة الاستقطاب العربيَّة الحادَّة على المستويات السياسيَّة والطائفيَّة، وتارةً تنهال العقوبات على هذا البلد العربيّ وذاك البلد الإسلاميّ، ويتمّ تحريك مجلس الأمن تارة والفتن المذهبيّة أخرى لإسقاطه تحت عناوين شتّى، في وقتٍ يتمّ التَّهديد حتى باستخدام الخيار العسكريّ، إذا لم تنفع العقوبات السياسيَّة والاقتصاديَّة…
إنَّنا نرى في ما يجري محاولاتٍ استكباريَّة جادّة لاحتواء الوضع العربيّ والإسلاميّ الَّذي انفتح على مرحلةٍ جديدةٍ جرّاء الثَّورات العربيَّة الَّتي تفجَّرت في الكثير من السَّاحات، ولاستعادة النّفوذ الغربيّ الَّذي تعرَّض لخسائر كبيرة، وتقلّص في المجال السياسيّ والاقتصاديّ، وهو ما تجلّى في الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة الَّتي هزّت الأرض تحت أقدام المستكبرين.
وعلى هذا الأساس، تركّز الجهات الاستكباريَّة على النَّيل من التّيار الإسلامي الَّذي أطلَّ بقوّةٍ في الثَّورات العربيَّة، حيث يتمّ تشويه صورته والحطّ من شأنه وابتزازه وتأليب الرّأي العام عليه، واللّعب على وتر التَّناقضات بينه وبين القوى السياسيَّة الأخرى، من وطنيَّة وقوميَّة وعلمانيَّة، في محاولةٍ لعزله وإضعافه، إن لم يستجب للأهداف الغربيَّة المتمثِّلة بتحويله إلى تيارٍ لا يحمل من الإسلام إلا الشَّكل، من دون مضمونه التَّحرري والثَّوري والإنساني، أو إلى قوّةٍ مذهبيَّةٍ لها موقعها في صراعات المنطقة المذهبيَّة، وذلك مقابل أن يكون له النَّصيب الوافر من السّلطة والمغانم…
إنَّ على التيارات الإسلاميَّة في السّاحة العربيَّة، أن تعي جيداً ما يريده المستكبرون منها، ولا يحلمنّ أحد للحظة أن بمستطاع أيّ تيار أو قوّة إسلاميَّة، أن تتعايش مع قوى الاستكبار الغربي ما دامت تتمسَّك بالإسلام هويَّةً واستراتيجيا وبرامج، ونحن على ثقة بوعي وحكمة الكثير من القيادات الإسلاميّة في المنطقة، وخصوصاً في مصر، الَّتي نراهن على دورها العربي والإسلامي، ونتطلّع إلى قيامها بمبادراتٍ سياسيةٍ وحدويةٍ وجامعةٍ تنقذ الأمَّة وتأخذ بيدها إلى شاطئ الأمان، بدلاً من الغرق في أتون المذهبيَّة الَّتي تنفخ ببوقها سياسات متآمرة، وإعلام غير مسؤول، وفضائيّات موجّهة، ومراكز دراسات معادية…
وعلى العرب أن يتنبّهوا الى محاولات الغربية الساعية لاستخدام الجامعة العربيّة في الصِّراعات العربيَّة، لأنَّ تقسيم السَّاحة إلى محاور متناحرة لن يخدم الواقع العربي، بل يحوّله إلى ساحةٍ مستباحةٍ لكلِّ ألوان التّدخّلات الدوليَّة، وحينها ستسقط كلّ المحاور، وستكون الخسارة عربيَّةً واسلامية، من دون أيّ انتصار قد يحلم به هذا المحور العربيّ أو ذاك، لأنَّ النتائج ستصب في خدمة قوى التّدخّل الأجنبيّ الّتي توظّف الصّراعات العربيَّة والإسلاميَّة في خدمة مشاريعها الاستكبارية…
إنّنا من هذا المنطلق، نؤكد على الجميع التنبّه حيال ما يجري في سوريا، وخصوصاً أنَّ الأحداث قد تجاوزت المطالب الإصلاحيَّة، والَّتي أكَّدنا ونؤكِّد ضرورة الاستجابة لها، ذلك أنَّ المشروع الاستكباريّ يركّز على إقفال كلّ منافذ الحوار الدّاخليّ في سوريا، لإغراقها في أتون فتنةٍ طائفيّةٍ ومذهبيّةٍ لن يسلم أحد في المنطقة من نيرانها. وفي هذا المجال، لا بدّ للدّول العربيّة الفاعلة في هذا الملفّ من أن تتجاوز حساسياتها وحساباتها الخاصّة، حفظاً للمصلحة العربيَّة العامَّة، فتنفتح من جديد على سوريا للبحث عن حلولٍ داخليَّة تجنّب الأخيرة والمنطقة ما قد تتعرض له من هزّات وكوارث.
إنَّنا نتطلع الى دور عربي جامع على مستوى اطلاق الحوار في سوريا وتقديم مبادرات للحل كما جرى في اليمن ونخشى من ادارة الظهر المستمرة حيال ما يجري في البحرين التي يُستحق شعبها التفاتة جادة لتلبية المطالب الاصلاحية ،خصوصاً وأن الشعب البحريني قدّم نموذجاًفي سلميّة حركته ومواقفه، وفي رأينا أنَّ الأزمات العربيَّة مترابطة ببعضها البعض، ويغذّي بعضها بعضاً، ما يفرض التَّعاطي معها بالكيفيَّة الَّتي تتيح إنجاز الحلول السياسيَّة بالطَّريقة الَّتي تلبّي الحدّ الأدنى من حقوق الأطراف المتصارعين…
إنّنا وفي عشيَّة الانسحاب الأمريكي من العراق، ندعو العراقيّين، إلى الوعي الكامل لحساسيَّة الوضع العراقيّ وكيفيّة التعامل مع مكوّناته، على قاعدة استيعاب جميع الفئات المخلصة للعراق والحريصة على مصالحه، والتّركيز جيّداً على نزع كلّ الألغام الَّتي زرعها الاحتلال الأمريكيّ، لتفجير الفتنة المذهبيّة في هذا البلد، وخصوصاً بعد أن فشل هذا الاحتلال في إخضاعه..
إنَّنا في ذكرى عاشوراء، نجدِّد العهد في البقاء مع كلّ قوى المقاومة في فلسطين ولبنان، فما هذه المقاومة إلا ثمرة من ثمار النَّهضة الحسينيَّة ومن هذه المسيرة الاسلامية الَّتي نريدها متجدّدة وملتهبة تلحق الهزيمة تلو الهزيمة بالمحتلين الصّهاينة..
إنّنا نرى في هذه المقاومة وفي ثباتها وتألّقها وصبرها وعنفوانها حماية للأمّة وحصانةً لها في مواجهة الأعداء، ورقماً كبيراً في معادلة قوّتها، وعاملاً استنهاضياً في مسار حركتها،ولذلك نؤكد على الجميع عدم إدخال هذه المقاومة في السجالات السياسية،وتحمل المسؤولية في حمايتها ورعايتها على جميع المستويات…
وفي أجواء عاشوراء، نريد للّبنانيين أن يتحسَّسوا المسؤوليّة الكبرى عن بلدهم وعما يحيط بهم، فلا يعملوا ـ من خلال الخطاب الانفعالي أو المذهبي ـ على استجرار المشاكل إلى الدّاخل، بل أن ينطلقوا من وحي هذه المناسبة ليتوحّدوا أكثر، وليكونوا قاعدةً إسلاميَّةً وحدويَّة، لأنَّ الحسين(ع) يمثِّل العنوان الجامع للمسلمين جميعاً، وليحفظوا وحدتهم الوطنيَّة أمام الرّياح والعواصف السياسيَّة والأمنيَّة الَّتي تهبّ عليهم من المنطقة.
لتكن عاشوراء محطةً يتوحَّد حولها الجميع، باعتبارها مناسبةً إسلاميّةً وإنسانيّةً لرفض الظّلم وللمطالبة بالعدل والحقّ والإصلاح".  

آخر تحديث: 6 ديسمبر، 2011 12:42 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>