هل دخول المراقبين والإعلاميين خطر ؟

يدرك النظام السوري تماما قدرة الشعوب على الإطاحة بدكتاتورياتها, ورغم ذلك لم يتعظ بسقوط نظام بن علي ومبارك بشكل إيجابي وإنما أراد المراهنة على سطوته الأمنية وذكاءه الذي أبقاه ما يقارب النصف قرن على كرسي الحكم, واستشعر منذ سقوط تلك الأنظمة بهبوب رياح الربيع العربي على بلاده فاستعد لمواجهتها من خلال استدراك عوامل كان لها الأثر الكبير في سقوط تلك الأنظمة.
فكان أول ما استعد له النظام السوري لمواجهة رياح التغيير تلك مسألة التغطية الإعلامية, التي لعبت دوراً مهماً في الإطاحة بتلك الديكتاتوريات الساقطة, فمنذ الأحداث الأولى للثورة قامت الدولة بالاستفراد بالشعب السوري المنتفض أمنيا ومواجهته بالقمع الإجرامي وراء تعمية إعلامية تجلت بمنع الصحافة والإعلام الحر أو طرد الصحافيين والإعلاميين وحتى اعتقال بعضهم, كما حصل مع مدير مكتب وكالة أنباء رويترز الأردني سليمان الخالدي بسبب تغطيته لأحداث درعا الأولى, وغيره كثير, ناهيك بتسييس الصحافة الموجودة في سورية أصلا حسب منظومة النظام وتحركها تحت الرقابة الأمنية, والأمنية فقط , وقمع الصحافيين الأحرار منهم بكافة الوسائل, فضلا عن رفض الدولة لدخول المراقبين الدوليين للحدود السورية, وحتى حينما دخلت لجان حقوقية للبلاد كانت حركتهم مسيرة من قبل الأمن بحجة الحفاظ على أرواحهم من تلك العصابات المسلحة.

فقد كان النظام حريصا على إخفاء الحقائق والتحكم في تصوير ما يجري على الأرض للعالم العربي والغربي, وحتى للداخل البعيد عن موقع الحدث أو الموالين للسلطة ضمن منهجية تخدم بقاءها ومخططاتها في قمع الثورة أو حتى قد تؤخر كشف الحقائق لحين كبح جماح المنتفضين بطريقتها الأمنية المعهودة والعسكرية, وتجنبا لردود الفعل الدولية والعربية أي: أن المسألة باختصار هي: "كسب الوقت من أجل وضع الشعب تحت الأمر الواقع وإرغامه على السكوت كما كان سابقا".
فكان أخطر ما واجه النظام السوري أزمته به مسألة التعمية الإعلامية للأحداث الجارية في محاولة منه لإقناع العالم بمسألة السلفيين والإسلاميين تارة, الذين عاثوا في الأرض فسادا أو الحديث عن وجود العصابات المسلحة الإرهابية تارة أخرى, والتي لم تستطع السلطات الأمنية قمعها كل تلك الشهور رغم استخدامها لكل الأسلحة المحرمة أو غير المحرمة من قبل الدولة. وحاول النظام في ظل هذا التعتيم اللعب سياسيا بورقة الممانعة من خلال تصوير ما يجري بأنه مؤامرة على سورية- دولة الممانعة- بأيد غربية خفية, وأن المتظاهرين مندسون ومخربون وأنهم يتحركون ضمن أجندات خارجية وغير ذلك.

فكان المصدر الوحيد لانعكاس صورة ما يجري في الداخل هو نشاط الثوار على الانترنت من خلال صفحات الفيس بوك, ولذلك اعتبرت الدولة وسائل التصوير على تنوعها سلاحاً فتاكاً في يد المتظاهرين وجريمة يحاسب عليها القانون وقد يستوجب القتل لحاملها, وقامت بحشد جيوشها الالكترونية إلى جانب جيوشها على الأرض لقمع حركة النشطاء الإعلامية, ورغم الجهود الجبارة التي يبذلها النشطاء لإيصال الحقائق إلا أن تلك الوسائل لم تحمل المصداقية والإقناع التي يتمتع بها الإعلام الحر أمام العالم في بداية الثورة, وإنما أوقعت السامع والرائي بالشك والتردد والتشويش, وهذا ما أراده النظام السوري وما قام باستغلاله من أجل كتم صوت الثورة وإقناع الرأي العام بما يريده, وحتى مسألة التعمية عن الجيش الذي كان النظام يزج به في معركته ضد الشعب مقنعا إياه بوجود مسلحين على الأرض فإذ به عندما يخرج لمواجهة هؤلاء المسلحين يجد نفسه ضد شعب أعزل, فأتت نتيجة التعمية الإعلامية تلك إضافة لمسألة ضحايا الجيش الذين يقتلون بيد الأمن عند اكتشافهم للحقيقة, ردود فعل خجولة من العالم وصمت عربي متخبط – في بداية الثورة – الذي هو في الأصل يأتي متأخرا إزاء القضايا العربية, وحتى عندما خرج العالم عن صمته في الشهر الخامس من الثورة حين حصلت المجزرة في حماه عقب تحذير أردوغان من حماه ثانية, جاء ذلك متأخرا ولم يرق لواقع الحقائق الدامية التي حدثت للشعب السوري حتى أصبح الوضع في سورية كارثة إنسانية حقيقية في الشهر الثامن للثورة, لحين ما بدأ العالم العربي يكتشف أخيرا حقيقة النظام ويظهر موقفا جادا وصارما وإن كان متأخرا لكنه قد أثلج قلب السوريين الذين كانوا يستصرخون إخوانهم العرب كل تلك الشهور, فكانت الفرحة بقرارات الجامعة العربية لا توصف لديهم.

لكن هل لدخول المراقبين والإعلاميين اليوم لسورية من أهمية على أرض الواقع بعدما قتل المئات من السوريين واعتقل وشرد وفقد الآلاف منهم في ظل هذا التعتيم الإعلامي الذي خيم على السوريين طوال الثمانية شهور الماضية, خاصة وأن وليد المعلم قد صرح بعد صدور قرار الجامعة العربية في مؤتمره الصحافي بأنهم ملتزمون بالمبادرة العربية وأنهم قاموا بسحب المظاهر المسلحة من الأراضي السورية واستبدالها بقوات حفظ النظام? أم هل سيكون دخول هؤلاء المراقبين والإعلاميين للأراضي السورية كارثة تهدد بقاء النظام? هذا ما يطرحه المراقبون للشأن السوري اليوم, فرغم قبول النظام بهذا القرار وترحيبه به في ظاهر الأمر إلا أنها مناورة سياسية وتحد صريح لتلك القرارات في محاولة منهم لإقناع الجامعة بالأكاذيب التي كان النظام يطنطن بها طوال تلك الشهور من وجود العصابات المسلحة, والتي يقصدون بهم اليوم الجيش المنشق الذي يقوم بحماية الشعب, فالحقيقة على الأرض تنطق بأن النظام يخشى من المظاهرات الحاشدة التي قد تخرج في حال توافرت لها الطمأنينة بوجود المراقبين والإعلاميين, وهذا ما دعاه لمنع ومحاربة الإعلام والقنوات الإعلامية والمراوغة والكذب في قنواته كل تلك الشهور, وما يقوله السوريون في الداخل والنشطاء اليوم خصوصا بعد المؤتمر الصحافي الذي سارع لعقده المعلم بعد قرارات الجامعة العربية: أن النظام بدأ يعد العدة لاستقبال المراقبين والإعلاميين ويستغل مواجهة كتائب الجيش الحر المنشق والعمليات التي يقوم بها ضد ميليشيات الأسد لصالحه, ليقنع العرب بأكاذيبه على الأرض, فما ورد من أخبار تغيير اللباس النظامي للجيش السوري بلباس آخر موحد وتجنيد آلاف أخرى من الأمن والشبيحة بإغراءات مادية وأرقام مغرية, وما تقوله أخبار مسربة من الداخل أيضا بأن النظام يرسل تلك التعزيزات الأمنية بأسلحة خفيفة وبلباس موحد كما سماها وليد المعلم في تصريحه الصحافي بقوات حفظ النظام للأماكن الساخنة التي تشهد المظاهرات ليؤكد استعداد النظام لنشر الفوضى وتصعيد الصدام والاشتباكات بين فئات الجيش من أجل كسب المعركة الإعلامية والسياسية, وإقناع العالم بأن النظام كان يحارب العصابات المسلحة التي كان يتحدث عنها طوال الثمانية شهور الماضية, علما بأن عمليات الجيش المنشق في حماية المتظاهرين لم تبدأ إلا في الشهر الثامن من الثورة, فهل سيفوز النظام بمعركته تلك مع العرب وتحديه لهم ? وهل سيكون دخول المراقبين والإعلاميين طوق نجاة للثوار على الأرض ودافعا للتعبير عن مطالبهم المشروعة? هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة خصوصا وأن المراقبون للشأن السوري يقولون بأن الساحة السورية ستشهد أياما قد تكون الأصعب في تاريخ سورية عموما وتاريخ الثورة السورية على وجه الخصوص.  

آخر تحديث: 19 نوفمبر، 2011 7:46 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>