14 آذار وتعليمات كونيللي

شكلت تصريحات السفيرة الأميركية مورا كونيللي بعد لقائها وزير الدفاع فايز غصن، مدخلاً سياسياً وأمنياً واسعاً لتفسير سلوك قوى "14 آذار" إزاء الوضع السوري والدور الذي تلعبه هذه القوى في السعي إلى ترجمة طلبات السفيرة الأميركية من خلال تحويل لبنان إلى منصة تتوافر فيها الحماية والتسهيلات والدعم للجماعات السورية المعارضة، الناشطة في هذه الأيام على جبهات العمل العسكري ضد الدولة السورية بعد تراجع الاحتجاجات التي انطلقت في شهر آذار الماضي، ووصل ضمورها إلى حد الكلام الصادر عن مؤسسات أوروبية بأن مجموع المتظاهرين أيام الجمعة في جميع أنحاء سورية لا يصل إلى أربعة آلاف، بينما قالت صحيفة الغارديان البريطانية أن المخابرات التركية اختارت توقيت اغتيال المعارض مشعل تمو لكي تؤمن زخماً كردياً لتشييعه في الاحتجاج على اغتياله. وبعدما انكشف التورط التركي ارتدّت الأمور سلباً وبالعكس لمصلحة السلطات السورية، حيث جرى الحديث عن خلافات في صفوف الأحزاب الكردية في سورية نتيجة انكشاف دور المخابرات التركية في جريمة الاغتيال.

السفيرة كونيللي طلبت المساعدة والحماية للمعارضين السوريين في لبنان. وفي واقع الحال لم يقصّر تيار "المستقبل" ومعه القوات اللبنانية في تقديم المساعدة والحماية حيث يتواجد ناشطو المعارضة في مقرات محمية داخل مناطق نفوذ هذين الفريقين بشكل خاص، بينما تقول مصادر واسعة الاطلاع ان معطيات موثقة باتت في حوزة الأمن السوري بنتيجة التحقيقات تدين العديد من الشخصيات اللبنانية المنتمية إلى "14 آذار" بالمسؤولية عن تهريب السلاح والأموال وعن تقديم المساعدات اللوجستية للشبكات الإرهابية المتورطة في مهاجمة المقرات الحكومية وفي تنفيذ عمليات اغتيال وتفجير على الأرض السورية، عدا الشق الإعلامي في تورط "14 آذار" من خلال الوسائل الخاضعة لنفوذها، وعبر وجود إذاعات غير مرخصة في البقاع والشمال موجهة إلى سورية، وعبر الإذاعات الأجنبية غير المرخصة أيضاً التي تغطي الأراضي السورية انطلاقاً من لبنان، وقد زرعت على الأراضي اللبنانية بتسهيل من شركات لبنانية تابعة لفريق "14 آذار" وتحت حماية رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ووزير إعلامه السابق طارق متري.  
الحملة الإعلامية التي شنتها "14 آذار" تحت عنوان التضامن مع المعارضات السورية هي في عرف القانون اللبناني خروج على الدستور وعلى اتفاق الطائف وتستحق المساءلة، فقد تعهد لبنان، في نص الاتفاق المذكور والذي بات ميثاقاً وطنياً، بأن لا يكون لبنان ممراً أو مقراً لتهديد الأمن والاستقرار في سورية، وهذا ما ترجمته معاهدة "الأخوة والتنسيق" بين البلدين وجميع الاتفاقيات الثنائية التي أبرمت من دون استثناء في زمن الرئيس الراحل رفيق الحريري، وحتى تاريخه لم تقم أي من المؤسسات اللبنانية بواجباتها، باستثناء الجيش اللبناني ومديرية المخابرات ومديرية الأمن العام وخصوصاً بعد وصول اللواء عباس ابراهيم إلى تسلم المسؤولية فيها، وهي بذلك تطبق القوانين والالتزامات التي تعهدت بها الدولة اللبنانية بموجب الاتفاقات الموقعة مع الدولة السورية.

وفي هذا المجال، ذكرت مصادر مطلعة أن مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي زار دمشق نهاية الأسبوع الماضي لتقديم واجب العزاء باسم رئيس الجمهورية، إلا أنه التقى بعض المسؤولين الأمنيين السوريين بهدف التشاور والتنسيق بين مديرية الأمن العام والمؤسسات الأمنية السورية، خصوصاً بما يتصل بموضوع تهريب السلاح والمال عبر الحدود بين البلدين. واللواء ابراهيم، حسب المصادر المطلعة، يقوم بعمل مكثف في الكواليس لمعالجة الكثير من الخروقات والثغرات ولإقناع الأطراف المعنية بالكف عن التورط في الشأن السوري الداخلي حرصاً على أمن لبنان واستقراره، مع التأكيد على أن الدولة لا يمكن أن تبقى في موقع المتفرج أو المحايد حيال هكذا ملف يتعلق بمصير ومستقبل لبنان وطبيعة علاقته بسورية. وإجرائياً، يتابع الأمن العام بالتعاون مع مديرية المخابرات ملاحقة جميع الخيوط المتصلة بالأنشطة الجارية على الأرض اللبنانية والمخالفة للقوانين والأنظمة المرعية. وهو يقوم بواجبه لاطلاع المسؤولين والمعنيين على جميع التفاصيل لبناء المقتضى القانوني بخصوصها، ولا سيما ما يتعلق بالأنشطة السياسية والإعلامية والأمنية المتعلقة بالوضع في سورية.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال، هل تتغاضى حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عن واجباتها في حفظ الاستقرار اللبناني وتنفيذ الالتزامات اللبنانية إزاء سورية؟ أم تتحرك لتنفيذ القوانين وتحيل إلى المساءلة القضائية ملف المتورطين في الأحداث السورية، الذين جاءت أفعالهم بناء على تعليمات السفيرة كونيللي التي تعكس قراراً أميركياً واضحاً بتوريط لبنان في شؤون سورية الداخلية لحساب المشروع الأميركي في المنطقة وعلى حساب الاستقرار اللبناني؟ حتى الآن لا إجابة واضحة من السراي على هذا السؤال.  

آخر تحديث: 14 أكتوبر، 2011 10:08 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>