فضيحة التايم عمل مخابراتي بامتياز

الرئيس نجيب ميقاتي محرج. "فضيحة التايم" استهداف مباشر لدوره ومكانته. نخرت "الحادثة" النخاع الشوكي للحكومة، ووجدانها الأدبي والمعنوي، ولم يعد مهمّا معرفة التفاصيل، لأنّ ما حدث عمل مخابراتي شكلا، ومضمونا، وإخراجا، سواء أكانت هناك مقابلة، أم لا.

المستهدف الأوّل هو الرئيس ميقاتي، ثم حكومته، وسياستها الخارجيّة، وحرصها على التعاون مع المجتمع الدولي. والمستهدف الثاني هو كلّ الأجهزة الاستقصائيّة والمخابراتيّة الرسميّة، هل كانت على علم بالمقابلة وخطّطت لها، وساهمت في اتّمامها؟. هل من تنسيق مهنيّ صادق وشفّاف في ما بينها تقتضيه مصالح الوطن العليا، أم تنافر وتباعد، وكلّ جهاز "فاتح عاحسابو"؟. وإذا كان من تنسيق، فلماذا لا يبلّغ الرئيس ميقاتي فورا، وقبل إجراء المقابلة؟ وإذا كان كلّ ما جرى قد تمّ من دون معرفتها، فما هو دورها؟، ولأيّ مهمّة هي، حيث هي الآن؟

وينطبق الأمر على حزب الله، ومخابراته، هل كان على عِلم، أم أنّ هناك خللا ما سمح للبعض بأن يفتح على حسابه غير آبه بالالتزام الحزبي؟. ولا يكفي أن ينفي، او أن يصدر بيانا هنا، وآخر هناك، ليؤكّد للرأي العام بأنّه " أمام فيلم بوليسي من إعداد وإخراج المحكمة الدوليّة للنيل من صدقيته؟!". هناك من يريد ان يصدّقه، ولكن لا يصحّ في نهاية المطاف سوى القول "مصيبة إذا كانت المقابلة قد تمّت، ويحاول الحزب التنصّل منها، ومصيبة أعظم إذا ما تمّت بمعزل عنه، لتعريته أمام الرأي العام، وزرع إسفين في علاقته مع رئيس الحكومة المتضرّر الأكبر من شظايا هذه " الفضيحة".

محلّيا، قد يكون ممكنا هضم ما حصل، وعلى الطريقة اللبنانية، وباللجوء دائما الى المراوغة، وسياسة "تبويس اللحى"، وتدوير الزوايا الحادّة، حتى ولو كان كلّ ذلك على حساب الحقيقة. لكن دوليّا الأمر مختلف، وما جرى هو امتحان لصدقيّة رئيس الحكومة، كيف يكون التعاون مع المجتمع الدولي؟ كيف يترجمه عمليّا؟. وهل تملك الأجهزة الرسميّة المختصّة القدرة والجرأة على ركوب هذا المركب الخشن، أم كما قال المتّهم في حديثه للمجلّة، بأنّ الأجهزة الرسميّة تعرف مكانه، ولكن لا تجرؤ على ملاحقته وتوقيفه؟!.

.
ثمّة كوّة أخرى تتسللّ منها نظرات دبلوماسيّة تتعلّق بحقيقة ما يجري، وبطبيعة المهمّة التي يضطلع بها القاضي سعيد ميرزا المرجعيّة القضائيّة المخوّلة التنسيق بين إجراءات المحكمة الدوليّة، والحكومة اللبنانية. وتسلّط هذه النظرة الضوء الكاشف باتّجاهات ثلاثة: دور ميرزا في الوقوف الى جانب رئيس الحكومة في التجاوب مع المحكمة، وتسهيل مهمّتها لكشف الحقيقة بعيدا عن التسييّس. ودوره في الوفاء لعائلات الشهداء، وخصوصا عائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في معرفة الحقيقة وطلب العدالة. ودوره في حماية لبنان والحكومة اللبنانيّة من المجتمع الدولي، وإظهارهما بمظهر المتعاطف والمتعاون، ومن موقع الحرص والقناعة المطلقة على أنّ لبنان لا يمكنه ان يكون على جبهة المواجهة مع هذا المجتمع، ولا يستطيع ان يسبح لوحده في بحر مالح ضحل، غير البحر السلس الذي يسبح فيه المجتمع الدولي.

يبدو أنّ " فضيحة التايم" عمل مخابراتي بامتيار، ويأتي بعد شهادة حسن السلوك التي منحها القاضي كاسيزي " للجهد المقبول" الذي قامت به الحكومة لكشف المتّهمين الأربعة وإلقاء القبض عليهم، وهو في حقيقة الأمر ثناء وإطراء للمؤسّسات الأمنية والقضائيّة التي تعاونت وتضافرت ونسّقت جهودها لوضع التقرير الذي رفعه ميرزا في الوقت المحدّد الى المحكمة يخبرها بما قامت به الحكومة من جهد واستقصاء للقبض على المتّهمين من موقع الحرص على التعاون، وفق الإمكانات المتاحة.

يفهم من ذلك أنّ هناك جهة مستاءة من مسار هذا التعاون ما بين الحكومة والمحكمة، وتسعى الى تعطيله على مشارف أيلول شهر الملفّات المعقّدة، والاستحقاقات الصعبة المجمّدة، والتي ستأخذ طريقها من جديد الى مجلس الأمن، وجلساته المتتالية برئاسة لبنان ممثّل المجموعة العربيّة، أو إلى اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتحدة والتي ستبدأ دورتها العادية في أوّل يوم ثلثاء يلي تاريخ الثالث عشر من أيلول. كما تسعى الى تعطيل هذه العلاقة من خلال جعل الحكومة أسيرة وضع سياسي داخلي معقّد يزداد استنفارا بين معارضة تريد الردّ على الانقلاب من خلال العمل على الإطاحة بالأكثريّة التي جاءت بها، وبرئيسها، وأيضا من خلال موالاة عمياء غارقة في فنجان المصالح الفئوية، وكأنّ الانتخابات النيابيّة ستجري غداً. إنّ ما يجري على ضفاف "فضيحة التايم" يتخطّى إحراج الحكومة ورئيسها نجيب ميقاتي، ليصيب لبنان بهدف تعريته أمام المجتمع الدولي مع حلول شهر أيلول، خصوصا إذا ما كان طرفه مبلولا باستحقاقات كبيرة مؤثّرة على دوره، وانفتاحه، وتنوّعه الثقافي، بحيث يصبح تابعيّا لشموليّة عقائديّة، بدلا من أن يبقى منارة مشعّة، وواحة مستقرّة في شرق يضربه التوتّر، وتجتاحه غيوم داكنة سوداء

آخر تحديث: 23 أغسطس، 2011 11:10 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>