اكتمال الكمّاشة العربية ـ التركية

ما بعد كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى الشعب السوري ليس كما قبلها. انتهى زمن الصمت العربي، والترجمة السورية له بأنه "رضى ضمني يمتد على فترة سماح تنتهي بتهدئة غضب الشارع وإجراء إصلاحات جدّية مقبولة". في جميع الأحوال فشل الرئيس بشار الاسد في كل سياسته، لم يربح الشعب السوري وخسر الجميع.

أهمية وخطورة كلمة الملك عبدالله، أنّها فتحت مساراً عربياً بدءاً من دول الخليج العربية عنوانها "كفى". هذا الموقف العربي، يسقط "شبكة الأمان" الأخيرة للأسد ونظامه. أخطر مفاعيل هذا الإسقاط أنها تعرّي "النظام الأسدي" أمام المجتمع الدولي وتنتزع منه كل "دفاعاته". أصبح المجتمع الدولي وتحديداً واشنطن وباريس أكثر حرية في الاندفاع إلى الأمام لرفع "البطاقة الحمراء" في وجه "النظام الأسدي" المتكامل والمتضامن. منذ الآن سيقف الرئيس بشار الأسد وحيداً في المرمى بمواجهة ضربة الجزاء. لا شيء يعادل مثل هذه الوحدة.

ما يضاعف من هذا الوضع لـ"النظام الأسدي"، ان فك "الكماشة" التركي اكتمل الآن مع الفك العربي الثاني لها. كانت تركيا اردوغان محرجة في المواجهة مع "النظام الأسدي". التعقيدات التاريخية ساهمت في ذلك. أيضاً كون "حزب العدالة والتنمية" أقرب ما يكون إلى "الاخوان المسلمين" زاد من تعقيدات الحركة التركية. لا يمكن لتركيا ولا تريد أصلاً أن تأخذ مكان العرب في مواجهة دمشق الأسدية فكيف مع دمشق التاريخية.

"الكمّاشة" العربية التركية قوية وفاعلة وهي تفتح الطريق أمام "الرافعة" الدولية التي أصبحت أكثر قدرة وحرية على التصعيد والتقدم بقرارات قاسية. هامش الحركة أمام موسكو وبكين يضيق يوماً بعديوم. بعد الموقف السعودي – الخليجي الذي دفع الرئيس الأسد خارج "الخيمة العربية الإسلامية"، لم يعد أمام الروس والصينيين مساحة واسعة للمناورة.

لن تتحوّل سوريا إلى ليبيا ثانية الآن، لكن خطر مثل الاحتمال قائم. الروس واعون لذلك حين دقّوا "جرس الإنذار" بأنّ الحلف الأطلسي يحضر خططاً عسكرية. ليس من مصلحة أحد من العرب والأتراك والمجتمع الدولي أن يقع المحظور وتتحوّل سوريا إلى ليبيا ثانية. لكن أيضاً ليس مقبولاً ولا محمولاً دفع "النظام الأسدي" الأوضاع للانزلاق نحو حمام دم الحرب الأهلية. للأسف كانت سوريا "لاعباً كبيراً" في منطقة الشرق الاوسط، تحوّلت بفضل أربعة أشهر من العناد والتسويف والمماطلة، وعدم الرغبة بالتخلي عن الارث كما هو نظاماً ومؤسسات ودماء أكثر من ألفي قتيل إلى "ملعب للآخرين".

خلال 120 يوماً تقريباً خسر الأسد كل شيء. على الأقل نصف الشعب السوري. والنصف الآخر إما يتململ أو يتساءل. قلة من هذا الشعب تماشي "النظام الأسدي" في مواقفه، مثل "الشبيحة" الذين لم يعد خافياً على أحد أنهم جهاز منظّم ومدرّب ومسلّح.

باختصار يلعب "الشبيحة" دوراً مماثلاً بـ"الباسيج" في إيران. المشكلة الكبيرة للأسد اليوم هي مع حليفه الجمهورية الإسلامية في إيران. لقد قدمت الجمهورية لحليفها "النظام الأسدي" مختلف المساعدات العسكرية والمالية. لكن الإيرانيين لا يقدمون لأحد من موقعهم وأوراقهم الخاصة خصوصاً وأنهم يخوضون مواجهات يومية مع الغرب وتحديداً مع واشنطن. مجرّد أن يتفق الايرانيون مع الأميركيين حول العراق، يعني أنهم سحبوا "ورقة" مهمة من يد الأسد. أيضاً مدّ الإيرانيون يدهم للسعودية لترطيب الأجواء وللتفاهم والتأكيد على انتفاء الخلافات مما يعني كشف "الجناح الأيمن" لـ"النظام الأسدي"، الذي لا يناسبه خصوصاً بعد الآن سوى تصعيد الخلافات بين الرياض وطهران.

هامش التضادات بين طهران ودمشق يتسع، منه ان سلامة "حزب الله" حاضراً ومستقبلاً مسألة مصيرية بالنسبة للأولى. لن تغامر طهران بمستقبل "حزب الله" وبالتالي لن تقبل بأن تدفع دمشق "حزب الله" نحو أي "مغامرة" غير محسوبة تضعه في دائرة النار. يستطيع "النظام الأسدي" الاعتماد على تحالفه مع طهران لكن دون أن يأمل بأي نوع من تضحية إيران من رصيدها. من ذلك أنه يجب ألا يحلم أحد وليس أن يأمل بأن تقف طهران يوماً في وجه أنقرة. للتنافس بين العاصمتين خطوط حمراء يعمل الطرفان على عدم خرقها. الجغرافيا أينعت ما يزرعه التاريخ.

في مواجهة هذا العراء العربي والدولي، يندفع الرئيس بشار الأسد في خياره الأمني إلى الأمام. إقالة الفريق علي حبيب وزير الدفاع وتعيين داود راجحة، تمت قراءته في دمشق بأن قراراً "أسدياً" اتخذ بتنفيذ الحل الأمني كاملاً مهما بلغت كلفته. بعد النجاح الأمني سيعود العالم كله برأي "النظام الأسدي" للحديث معه بشروطه.

في مواجهة الشعار الذي ترفعه التظاهرات المؤيدة للنظام: "الله. سوريا. بشار وبس"، ترفع المعارضة شعار: "الله. سوريا. حرية وبس". الشعب السوري يريد الحرية بديلاً من الأسد.

باختصار يبقى وحيداً… ويندم!

آخر تحديث: 9 أغسطس، 2011 8:53 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>