د. عبد المجيد الحر: مدرّسٌ وناقد وشاعر طَوَّع الأوزان

 رحّب بالرئيس رياض الصلح فوقف مصفقاً إعجاباً
حمّله جده الشيخ عبد الله الحر كراساً لتسجيل أحداث جبل عامل ونشاطاته تيّمناً وعادةً
رئسَ تحرير مجلة العرفان معتبراً اجتماع التحرير كمواقيت الصلاة ولو تحت القصف

وأخيراً، في شباط 2010 ترجّل الشاعر والباحث الدكتور عبد المجيد الحر (1932 – 2010) وفي جباع رقد إلى الأبد. هو من عائلة أنجبت الشعر والأدب والسياسة والمؤرخين والفقهاء. سليل الكلمات وابن حواضر جبل عاملة. عامليات، تطلّ على عبد المجيد الحر، في طفولته وشبابه وآخر أيامه. وقفة وذكرى.

أغمض الدكتور عبد المجيد الحرّ عينيه للمرة الأخيرة وانطفأ سراج عمره منذ حوالى الشهرين. لم تفتقده عائلته فحسب بل جبل عامل كمعلَم من أعلامه. لقد كرّس حياته لإبراز دور الجنوب اللبناني كاشفاً عن فكر أعلامه من: الأدباء والشعراء والمصلحين والمفكرين، ولعلّ نشأته في كنف عائلة علمية دينية أدبية جعل موهبته الشعرية الفطرية تتفجّر على عجل، في بيت جدّه في جباع وهو العلامة الذائع الصيت الشيخ عبد الله الحرّ.

مجالس ومواقف
مجالس الفقه والشعر والأدب التي كانت تعقد في حواضر جبل عاملة غذّت فيه روح الشعر ونمّتها، وزرعت فيها منذ الطفولة المبكرة الحب والشغف بالكلمة (شعراً ونثراً) فعاش عبد المجيد بعدها مكرّساً حياته للبيان هائماً يقطفُ من معانيه أرشقها لفظاً وأعمقها بياناً. إلى جانب ذلك كان عبد المجيد الحر باحثاً ومؤرّخاً في كبره كاشفاً عن ثلّة عظيمة من شعراء جباع بخاصة والجنوب بعامّة، ساعده في ذلك ما كان يوثقه وهو طفل بإشراف جدّه الشيخ الجليل لتلك المجالس الأدبية العاملية التي كانت تعقد مع أساطيل ومبدعين.

تقاليد مرعية
في العدد (4) المجلد 71، الصادر 1983 من مجلة العرفان ص59، يذكر الشاعر الدكتور عبد المجيد الحر: كنت إذ ذاك في التاسعة من عمري، أحظى برعاية المغفور له، جدِّي العلامة الشيخ عبد الله الحر أثناء غياب والدي المغفور له العلامة الشيخ عبد الكريم الحر في النجف الأشرف، لتلقي العلم.
وكان جدي رحمات الله عليه قد أمسكني قلماً لا ينزل من يدي، يسجّل على دفتر خاص بي، كلّ ما يُلقى من أدب الشعر والنثر في المناسبات والاحتفالات حتى والندوات الخاصة والعامة لأحتفظ به مخطوطاً بيدي منذ صغري، مراعاةً للتقاليد المرعية في بيوت العلماء، وهي الاحتفاظ بمخطوطات منذ نعومة الأظفار للأجداد والآباء والأبناء والأحفاد. ولعلّ خير شاهد على ذلك ما كان ينظمه من شعر في المناسبات العائلية السعيدة أو الحزينة، وفي المناسبات الوطنية التي كانت تحرّك مشاعره وظروف حياته الغنيّة بالتجارب.

مع رياض الصلح
في الأربعينات من القرن الماضي كان الشاعر الراحل دون الخامسة عشرة من عمره زار الزعيم رياض الصلح منطقة البسطة التحتا ومنزل والد الشاعر، الشيخ عبد الكريم الحرّ، فما كان من الشاعر الفتى أن رحّب به في خطبة عصماء أذهلت من كان حاضراً من وجوه وأعيان بيروت وقد بلغ إعجاب الزعيم رياض الصلح أشدّه ولم يتمالك نفسه من الهتاف والتصفيق لهذا الفتى الموهوب الذي قدّر له عندما شبّ أن يكون على رأس حركات الطلاّب الوطنيين والعروبيين، فلطالما اعتلى المنابر أيام الوحدة العربية التي تحققت بين سوريا ومصر مشيداً بها وهاتفاً لعبد الناصر ولأخوته الضباط الأحرار.

الباحث ورئيس التحرير
وقد عثرت في منزلي وفي عدد من مجلة العرفان التي تسلّم الشاعر رئاسة بتحريرها بداية الثمانينات من القرن الماضي محاولاً وثلة من المخلصين إعادة إحيائها، وقد نجح لفترة من الزمن قبل أن تعود إحدى جولات الحرب الأهلية لتنهي حياة هذه المحاولة.
وما لبثت "العرفان" منتصف الثمانينات أن توقفت نهائياً، وفي ذلك يقول الصديق فؤاد الزين حفيد صاحب العرفان ومؤسسها الشيخ أحمد عارف الزين، أنه لطالما كان يعقد اجتماعات التحرير في ظروف أمنية صعبة آتياً من صيدا حيث كان يقيم إلى بيروت، مصرّاً على إنهاء العمل بيديه، مشرفاً على المواد وتحريرها بشكل دقيق ودونما كلل.

العمل والصلاة
في إحدى المرّات، يتابع فؤاد الزين، لمتُ عبد المجيد الحر على إصرار على عقد جلسة التحرير في موعدها إذ أنها يمكن أن تؤجّل بسبب ظروف طارئة، وكانت أحداث أمنية طرأت في بعض أنحاء بيروت ويخشى أن تتطوّر، فأجابني "اجتماع هيئة تحرير العرفان بالنسبة لي هو كصلاة، وأشعر أن تراثها أضحى أمانة في عنقي".
كلام فؤاد الزين هذا قاله في ذكرى أسبوع الشاعر الراحل الذي أقيم في جباع، التي عشقها الشاعر الحر، طفلاً وتغزّل بها شاباً وشاعراً، أحيت ذكراه وكانت وفيّة له ويناوب على تأبينه أصدقاء وأدباء وشعراء أوفياء، منهم العلامة السيد محمد حسن الأمين والدكتور الشاعر يحيى الشامي، وكذلك الكاتب عصام الحر والشاعر الشهير نزار الحرّ ابن عم الفقيد ورفيق صباه وشبابه، حتى الكهولة.

من شعره
أصدر الدكتور الشاعر عبد المجيد الحر ثلاثة دواوين: منهل الروح، أرجوحة العمر، ترنيمة الأحرار.
يقول متغزلاً:
راح يسقيني من الثغر مداما ويُعاطني هوًى ملَّ الصياما
وتلوي راحتاه جسدي فيُذيبُ الشوقُ والراحُ العظاما
حلَّل العشق وأمسى مُغرماً وهواهُ كان من قبل حراما
وأحلَّ السُّكرُ والعشقُ دمي فمضى يمتص من روحي الغراما
وتلاشى جسدي من حسنه حين أرخى لي عن الوجه اللثاما
واعترتني رعشةٌ بتُّ بها كرذاذٍ بللَ الطيرَ فهاما
ثم تائباً: "ربي آتيتُك"
ربي أتيتك راجياً لنزولي في القبر منك تعطّفاً لقبولي
فأنا الذليل إذا لقيتك مذنباً أبكي ابتلائي في غدٍ مجهول
إلاّّك لا يدري حقيقة علَّتي فارأف بحالي، غربتي، وأفولي
عودتني الغفران، فاقبل توبتي وأنلني من علياك حُسْنَ جميلِ


(كادر)
باحث طوّع القوافي
مقتطفات من كلمة الأديب عصام الحر في تأبين نسيبه الدكتور عبد المجيد الحر في ذكرى أسبوعه في شباط 2010
إنه الدكتور عبد المجيد الحر. خطيبُ المنابر ونجم جلسات العلم والأدب. حين الحديث عن راحل في حجم الدكتور عبد المجيد الحرّ، يحار المرء من أين يبدأ.
أيبدأ من كونه الشاعر الذي قرض الشعر وطوّع الأوزان وداعب القوافي وابتدع الصُّوَر، فكانت الحصيلة ثلاثة دواوين ضمّت فنوناً وألواناً من عيون الشعر وزيّنت مكتبات من عرفه وأحبّه من الأصدقاء والأحباء. هو الأديب الذي رشف الأدب وعبّ من منهله وغاص في خفاياه فكان الناقد الحاذق والمتذوّق الفاهم والمحدّثَ اللبق الذي سعدت بأحاديثه المجالس وعمَرت بمسامراته السهرات. بدأ حياته المهنيّة مدرّساً في التعليم الابتدائي ثمّ أستاذاً في التعليم الثانوي فمحاضراً في الجامعة اللبنانية وفي سواها من الجامعات، فكان المرجع الذي يقصده الأكاديميون لأخذ رأيه في ما يواجههم من قضايا لغوية ونحويّة شائكة؟ ونال الماجستير ثم الدكتوراه وعمل أستاذاً محاضراً في الجامعة اللبنانية، وله مخطوطات عدة.
أخشى إن تكلّمت عليه كشاعر أن أبخسه حقّه كأديب، وأخاف إن تحدّثت عنه كأديب أن لا أفيه حقه كشاعر. وإذا كان خلال عمله في الجامعة قد انصرف إلى التأليف وإعداد الدراسات التي اغتنت بها المكتبة العربية، فإنه في الوقت عينه لم يُهمل ملكته الشعرية.

(كادر)
وقد رثاه الشاعر نزار الحر بالقصيدة التالية:
سلام عليك
سلامٌ عليك شقيقَ البدور وشوْقُ إليكَ عشيقَ الزُّهور
لأنتَ حبيبي ونبضُ عروقي ودفْقُ حنيني ودمْعي الغزيزِ
وذكْراكَ عندي مواضٍ حسانٌ وحاضرُ عُسْرٍ وحُزْنٍ مريرِ
وشَكْوَةُ بُعْدٍ كَثيرِ المَآسي وظُلْمَةُ لَيْلٍ وَما مِنْ مُنيرِ
أخي يا مِثالَ الكَرامَةِ كَمْ قدْ دَأبْتَ عَلَيْها بِشَتَّى الأُمورِ
حَبيبَ القُلوبِ تَقَدَّسْتَ أصْلاً بِمِثْلِكَ يَحْفِلُ تُرْبُ القُبورِ
سَتَبْقَى بِقَلْبي وَفِكْري شُعاعاً يُشَعْشِعُ شِعْراً عَميقَ الشُّعورِ
فَلَيْسَ لَنا مِنْكَ أيُّ بَديلٍ عَلَى مَرِّ أيّامِنا وَالشُّهورِ
فَكُنْ يا إلهَ البَرايا رَؤوفاً بعَبْدٍ كَريمِ الخِصالِ قَريرِ
وَجُدْ يا إلهي بِعَفْوِكَ عّنَّا فَأنْتَ المُرَجَّى وَخَيْرُ مُجيرِ

(كادر)
عبد المجيد الحر
من مواليد جباع سنة 1932.
الشهادات الجامعية:
1976 نال شهادة الماجستير في الأدب العربي، تحت عنوان: "جباع وأثرها في الشعر العاملي".
1981 نال شهادة دكتوراه في اللغة العربية من جامعة القديس يوسف تحت عنوان: "معالم الأدب العاملي".
1986 نال شهادة دكتوراه في الأدب العربي تحت عنوان: "التيار الفكري في الشعر العاملي".
1988 كُتبت حوله دراسات إسلامية من الأزهر الشريف تحت عنوان: "النهج الإسلامي الصحيح".
بعد هذه الشهادات والأبحاث، نال رتبة أستاذ جامعي.
قضى في التعليم الجامعي ما يقارب العشرين سنة أي من سنة: 1976 إلى سنة 1996 حين أحيل على التقاعد.
نال العديد من الأوسمة إلى جانب حفلات التكريم.
شاعر مكثار غزير القصائد في شتى الميادين الشعرية.
طبعت له ثلاثة دواوين هي: أرجوحة العمر، منهل الروح، وترنيمة الأحرار.
له العديد من الأبحاث والمقالات في الصحف والمجلات.
والعديد من المؤلفات التي تربو على الثلاثين في: الأدب، والشعر، واللغة، والبحوث في مختلف الميادين.
 

آخر تحديث: 23 يوليو، 2011 11:43 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>