زمن المحل ورئاسة الجمهورية اللبنانية

محزن ومؤسف كم تغير وهزل موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية منذ العام 1988 فهو بات لا يشبه بشيء هالة وواقع ودور الرئاسة الريادية السيادية الحرة التي عرفها وطن الأرز وأهله منذ الاستقلال. كان اللبنانيون بشرائحهم كافة في الوطن الأم وبلاد الانتشار يفاخرون بموقع الرئاسة باعتزاز ويرون من خلالها وطنهم الغالي والمفدى بكبريائه وعزته والعنفوان. كان الرؤساء فعلاً رؤساء يملأون مواقعهم ويشرفونها ويفرضون احترامهم على الجميع.

الفرق كبير جداً بين حاضر هذا الموقع المأساوي والمرتهن والمارق وماضيه الحر والأبي والمشرف. أين كان وأين أصبح? كان في القمة مصاناً ومحمياً ومحترماً, وأصبح هجيناً وباهتاً في قعر الهاوية. كان قلعة صمود للبنان واللبنانيين ولقضايا الحق, وغدا بيد حكام سورية ومتراساً لإجرامهم وبطشهم والارتكابات.

كان رمزاً لوطن ال 7000 سنة حضارة وتاريخ وعبقرية وانفتاح ورسالة وعطاء, فتحول إلى لا شيء وإلى سراب وأوهام, وإلى أداة طيعة في أيدي حكام الشام البعث الأسديين, وساحة ومنطلقاً وغطاءً لمشاريع وحروب جماعات ملالي إيران التوسعية والإرهابية والأصولية

معلوم للقاصي والداني أن كل الرؤساء الذين تبوأوا هذا الموقع في زمن الاستقلال كانوا موارنة وطنيين بامتياز, وأكفاء وشجعاناً وأصحاب ضمير وأحراراً أما في زمننا الحالي, زمن المحل والبؤس والقحط الفكري والانحلال الأخلاقي فقد أمسى الرؤساء مهمشين ومن دون قرار حر وملحقينً بالكامل بمرجعية ومزاجية حكام الشقيقة الشقية, وتحت إشراف ومتابعة القيمين على دويلة الضاحية الجنوبية الإيرانية.

منذ أن تمكن الجيش البعثي الغازي والبربري من احتلال القصر الرئاسي سنة 1990 وتدنيسه افترس حكام سورية القتلة هذا الموقع الماروني الأول في الدولة اللبنانية وحولوه إلى مجرد عدة شغل لهم غب الطلب لا أكثر ولا أقل. في هذا السياق المذل عين الأسد الأب الياس الهراوي وجدد له نصف ولاية, ومن ثم عين اميل لحود وجدد له الأسد الابن بعد وفاة الأب نصف ولاية أيضاً, ومن ثم عين الابن ميشال سليمان بعد أن استوعبته أجهزة مخابراته لمدة تسع سنوات في قيادة الجيش.

من المحزن والمخزي أن الرئاسة الأولى في وطننا الأم لبنان, ومنذ أول يوم لإلياس الهراوي في قصرها وحتى يومنا هذا لم تعد لا على صورتنا ولا على مثالنا. إنها رئاسة لا تشبهنا بشيء ولا تمت لنا بصلة لا من قريب ولا من بعيد, كما أنه لم يعد لنا نحن الموارنة أي تمثيل ولو صوري من خلالها بعد أن خُطفت منا بالقوة والبلطجة, وتغربت عنا ونقضت ثوابتنا, وانحرفت عن تاريخنا المتجذر في تربة لبناننا المقدسة, وتنكرت لحضارتنا العريقة, ورهنت دماء شهدائنا الأبرار, وغضن الطرف عن معاناة معتقلينا المستمرة في السجون السورية من سنوات, وتجابنت عن إعادة أهلنا اللاجئين في إسرائيل, وقبلت بتوقيع مراسيم حكومات تمثل السوري والإيراني وتعادي المجتمع الدولي وتتنكر للعدالة ولدماء الشهداء وللقرارات الدولية, وتطول قائمة الجحود والكفر والتخلي والتخاذل.

هذا الموقع الذي من المفترض دستورياً أن يكون مارونياً من يجلس على كرسي رئاسته, لم يعد على شاكلة وصورة ومثال الموارنة المؤمنين والأحرار بعد أن تم تهميش وتسطيح المجلس النيابي وأصبح السوري والإيراني ومرتزقتهما المحليين يعينون رؤساء الجمهورية.

المعينون هم موارنة نعم, ولكن بالاسم فقط لأنهم بعيدون عن المارونية الحقة بعد السماء عن الأرض وقد برهنوا من خلال ممارساتهم منذ العام 1990 أنهم لا يمتون بشيء إلى قيم وأخلاق وإيمان وتقوى وعناد وجرأة وشفافية ووطنية وإباء وتضحيات وعزة وعنفوان الموارنة الذي أعطى كرسيهم البطريركي مجد لبنان.

في الخلاصة المارونية الحقة, مارونية الإيمان والتقوى والشهادة والصمود ومخافة الله التي أنجبت القديسين والعظماء والشهداء الأبرار هي براء من ممارسات وأقوال ومواقف وهرطقات وجحود وتبعية وذل الرؤساء الذين عينهم المحتل السوري والإيراني منذ العام 1990 وفرضهم بالقوة على وطن الأرز. أما زمن المحل الذي أوصل لبناننا الحبيب إلى ما هو فيه الآن فهو قارب على النهاية ومعه سينتهي دور ونفوذ وسلطة واستكبار وارتكابات أهل الشر ليعود لبنان مزدهراً حراً وسيداً مستقلاً ويعود لكرسي قصر بعبدا موارنة قلباً وقالباً وفكراً وإيماناً وتقوى وإن غداً لناظره قريب.

آخر تحديث: 11 يوليو، 2011 8:05 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>