“الشواذ” في لبنان متى يكون شواذاً ؟

كثيرة هي اللقطات اليوميّة التي يختلف اللبنانيون على تصنيفها، منهم من يعتبرها أمرا طبيعيّا، وآخرون يتعاملون معها على أساس أنّها "شواذ". على سبيل المثال، كأن يعبر موكب أحد السياسيين في سرعة جنونيّة متخطّيا قوانين السير،غير مبالٍ بوقوف الشرطي عند التقاطع، أو أن يطلّ أحد أبناء الجيران من على شرفته مطلقا العنان لبندقيّته، إثر نجاحه، وغيرها من المشاهدات الخاصة بلبنان.

يعتبر عبدالله وهبي أنّ الشواذ في لبنان "ضارب طنابو"، إلى حدّ يصعب الفصل بين ما هو منطقي وما هو غير مقبول: "العيشة في لبنان أقرب إلى فيلم بوليسي لا تنتهي فصوله، فيمكن أن تنام قرير العين، وأنت مطمئنّ إلى أنّ سيارتك مركونة تحت شرفة منزلك، ثمّ تصحو في اليوم التالي وتكتشف بأنّها مسروقة، ولكن إذا أردت استعادتها فقد يكلفك الامر زيارة إلى بريتال".

يعتبر وهبي أنّ الشواذ في لبنان لا لون له ولا دين، "كما لكلّ قاعدة استثناء، هكذا لكلّ لبناني نوع من الشواذات، على طريقة "قوّصوا وطلاع على البيت". كثيرة هي المشاهدات المضحكة المبكية التي تستفزّ وهبي يوميّا، إلّا أنّ "واحدة منها تبقى الأشدّ إيلاما" على حد تعبيره، فيقول: "في ضوء عملي في إحدى المصارف، الحادثة نفسها تتكرّر، وعلى عينك يا تاجر"، منهم من يتهرّب من القيام بعمله، ملقيا المسؤوليّة على موظف آخر بسيط، غير مدعوم. ويتابع وهبي كلامه بشيء لا يخلو من الحسرة، "المؤسف في لبنان أنّ أيّ موظف غير مدعوم من أحد السياسيين يمكن أن يُستغلّ، بصرف النظر عن مستواه الأكاديمي".

في المقابل، يعتبر جوزف مغامس أنه يمكن "هضم" أيّ شواذ قد يرتكبه اللبنانيون، ما عدا مسألة واحدة، يتشارك فيها الأغنياء والفقراء على حدّ سواء، فيقول: "إذا لم يتسنّ لك معرفة موسم الفول في لبنان، أو اللوز، أو البازلّاء، يكفي أن تنظر إلى ما يرميه المواطنون من نوافذ سيّاراتهم أثناء قيادتهم في الطرقات العامّة وعلى الأوتوسترادات". ويضيف: "المؤسف أنّ رمي النفايات من نافذة السيارة تحوّل إلى مشهد نمطي، لا يثير الدهشة في نفوس أصحابه، في حين أنّه يحرق أعصابي، لأنّ هذه التربية يفتقر لها كثر من اللبنانيين". ويتابع متأسّفا: "منهم من يحاول التظاهر بأنه حضاري، فيتمهّل أمام أحد مستوعبات النفايات محاولا رمي أوساخه، كمن يمارس لعبة كرة السلّة، والملفت أنّ معظم أصحاب هذه العادة السيّئة لا يصيبون الهدف، فتبقى النفايات ملقاة على قارعة الطريق".

في هذا السياق، يعتبر مغامس أنّ الشواذ في لبنان يبلغ ذروته تحديدا في مجالات تلاقي اللبنانيين، "على سبيل المثال في الأماكن العامّة وعلى الطرقات، فغالبا ما يخالفون الأنظمة أو قوانين السير، ويمكن لأيّ كان أن يضيء إشارة اليمين ليأخذ مفرق الشمال، والمثير للدهشة أنّهم في الوقت نفسه ينزعجون مِمّن يحترمون الأنظمة والقوانين".

من جهتها، تعترض سحر آغا على الشواذ الذي تنضح به السياسة اللبنانية، ويمكن صرف النظر عن كلّ الشواذات المتبقّية، فتقول: "من الشواذ أن يدّعي المرء الوسطيّة، والحيادية وكذلك الموضوعية، على نحو يخيّل إليك أنّ الأوضاع السياسية أقرب إلى نشرة جوّية". وتضيف: "أسوأ ما في الأمر حين يبالغ أحد اللبنانيين بالقول: "أنا مش مع 8 ولا مع 14" معتبرا نفسه خارج القضية اللبنانية، وغير معنيّ بالمستجدّات السياسية التي تشكّل محور حياته".

تعتبر سحر أنه يصعب إيجاد أيّ تبرير لكلّ هذه الشواذات، وتقول: "أكبر شواذ في السياسة أجده في الذين يبحثون عن مبرّرات لاستدارة النائب وليد جنبلاط، وكأنّ الطائفة الدرزية وحدها المستهدفة، في حين أنّ لبنان برُمّته على فوّهة بركان".

"يشكّل عدم امتلاك الشاب المال أبرز الشواذات، التي تجبره على التفكير ألف مرّة قبل الارتباط رسميّا". هذا ما يعبّر عنه الشاب جورجي القاري بحسرة وتأسّف على الواقع المرير الذي يتخبّط فيه شباب اليوم. ويضيف: "لم يعد يقاس الشاب بما يملك من شهادات ويتحلّى به من صفات ولياقات، بل كلّ الأنظار مشدودة إلى ما يملك من ماديّات، ويلمع به من مظاهر خارجية".

يعتبر جورجي أنه بات يطلب من الشاب أن يكون رجلا خارق القدرات، "كأننا نولد وفي فمنا ملعقة ذهب، نعمل وظيفتين، ويكاد الراتب لا يكفينا حتى منتصف الشهر، فهل من شواذ أكثر من ذلك"؟

في المقابل يجد فؤاد عرب أنّ المحاصصة التي يمكن أن يعاني منها الطلّاب خلال المسيرة الأكاديمية من أبرز الشواذات، "في وقت يتعب البعض من أجل تحصيل العلامات وإجراء المزيد من الأعمال التطبيقية، يتأمّن النجاح لآخرين على طبق من فضّة، لمجرّد توافر الواسطة". ويضيف: "أخيرا تقدّمت لإجراء امتحان لأتابع تخصّصي في الطبّ، إلّا أنّني لا أنكر تخوّفي من تمكّن فوز البعض بالواسطة، المستوى الثقافي ليس دوما الحكم".

رأي علم النفس الاجتماعي

يعتبر الدكتور في علم النفس الاجتماعي ميشال سبع "أنّ الشواذ ليس حكرا على لبنان، ومن الطبيعي أن تنقسم الآراء حول تصنيف أيّ حادثة أو مشهد، أو عادة، على سبيل المثال المساكنة في أوروبا تعتبر أمرا طبيعيّا في حين أنها في لبنان فكرة مستغربة، وهي شواذ".

يجد سبع أنّ القضية أبعد من ذلك، "لكلّ مجتمع عاداته ومفاهيمه الخاصة، متى لم يلتزم بها المواطنون اعتُبروا مخالفين". ويضيف: "حتى ضمن المجتمع نفسه يمكن للشواذ ألّا يصبح مستغربا، بحكم تطوّر المجتمع ونموّه. في الماضي كان ممنوعا على الشابّة العودة متأخّرة بعد منتصف الليل، في حين اليوم باتت المسألة أمرا طبيعيّا".

يولي سبع أهمّية كبيرة لدور المؤسّسات والدولة: " كي يقوم المجتمع على نحو طبيعي لا بدّ للمؤسّسات من أن تمارس دورها، في حين أنّ بعض المناطق في لبنان لا تزال تعيش ضمن مفهوم عشائري، على نحو يصعب على أهلها الاندماج والتناغم مع ما تفرضه المؤسّسات، كونهم يفتقرون لمرونة أهل المدينة". ويعتبر "أنّ التربية المتفاوتة بين المدارس خلقت أجيالا متناقضة للمفاهيم، لذا وصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم من صعوبة في التواصل والتحاور".

ويلفت سبع إلى بعض الشواذات التي "لا تضرّ"، كما وصفها، قائلا: "لا يزال الزواج المدني يعتبر شواذا بالنسبة إلى كثر من اللبنانيين، إلّا أنه في طبيعة الحال لا يضرّ، لذا سرعان ما سيدخل النسيج الاجتماعي".

يعتبر سبع أنّ الدولة اللبنانية "لا تزال فتيّة، لم تستكمل عناصرها بعد، إلّا أنها مطالبة أكثر من أيّ وقت مضى بتعزيز خدماتها لأبنائها، للوصول إلى أقلّ حدّ ممكن من الشواذ".

لا شك في ان لكل قاعدة شواذ، ولكن ماذا لوبات الشواذ أقرب إلى القاعدة كما هي الحال في لبنان؟

آخر تحديث: 9 يوليو، 2011 10:23 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>