“الأم المثالية” زهرة الحر 1917-2004 على يديها ولد الأطفال والقصائد

 يقول السيد محمد حسن الأمين في مقدمة ديوان الشاعرة الراحلة زهرة الحرّ "رياح الخريف": إنها لم تكن شاعرة فحسب ولم يكن يكفي أن تكون مجرَّد شاعرة تقليدية كي تخترق الحواجز وتتمكن من فرض حضورها على ساحة الشعر…
زهرة الحرّ ابنة جباع بلدة العظماء والشعراء والحوزات العلمية التي خرجت العشرات من رجال الدين والأدباء والشعراء وسيظل اسم «الشيخ عبد الله الحرّ الجبعي» يسطع طويلاً في تاريخنا كما اسم حوزته الدينية التي جادت بالعلم الديني والدنيوي معاً وكانت منارة من منارات جبل عامل حتى زمن طويل.

الموت… والشعر
في الثالثة من عمرها فقدت زهرة والدها وبما أنها ترعرعت وسط عائلة أنجبت العلماء والأدباء والشعراء فقد نظمت الشعر باكراً وهي في الثالثة عشر من عمرها، وفي الخامسة عشر من سنيِّها ألجأتها الضرورة المعيشية إلى ممارسة التعليم بعد التحاقها طالبة بدار المعلمات، كما درست الطب النسائي وعملت كقابلة قانونية لمدة طويلة من الزمن بعد أن استقرت في مدينة صور وتزوّجت وأنجبت.
وفي مدينة صور سطع نجمها وذاع صيتها كشاعرة جبل عامل وكرائدة من روّاد تحرر المرأة، وكعضو مؤسس للجمعيات النسائية والمجالس الثقافية والصروح التربوية.
حازت لقب «الأم المثالية» وقلّدت أوسمة في حفلات تكريمية عدّة. لها ثلاثة دواوين: «في ظلال الأرز»، «قصائد منسية»، و«رياح الخريف».

قصائد منسية
نقتطف من ديوان قصائد منسيّه بعض باقاتٍ من شعر المربية الراحلة زهرة الحرّ وهو ما استطعنا ان نحصل عليه وما توفّر لنا أن نطّلع عليه في هذه الظروف. ففي صلاة فلسفية تحاكي فيها قصيدة إيليا أبو ماضي «لست أدري» تقول شاعرة جبل عامل:
إلهي، من عبادك قد علمت بأنك قلت لي كوني فكنتُ
ولكني جهلت، لأي شيء أتيت وأنت تعلم ما جهلتُ
أنا خيرٌ وشرٌّ يا إلهي ولا أدري لأيهما انتسبتُ
أنا شيء، ولا شيء، فماذا أقول إذا أنا يوماً سُئلتُ
وُلدت وليس لي علْمٌ ورأي كذلك جاء مولودٌ ولدت
فإن عاد التراب غداً ترابا أكون قد انتهيت كما ابتدأتُ
وإن لفّ الظلام على ظلام كأني لا أتيت ولا ذهبتُ!
وفي قصيدة تحاكي عبثيّة الدنيا وجحودها تقول شاعرتنا:
حمقاء.. هل وحدي أنا حمقاء أم كلنا حمقى الحياة سواء
فتشت عن نفسي فلم أظفر بها واقتادني جهلٌ بها وغباء
حيرى وأبواب الحقيقة شرَّعٌ والدّرب لم تطفأ بها الأضواء
أمشي وأشواك الدروب تشدّني فيسيل من قلبي الجريح دماء

شجر من نور
ومن إحدى روائعها قصيدة في ظلال الأرز يتحدُّ عمرها وأرز لبنان تقول:
ليتني أرزة وتأتي إليّا وبظلّي يا هاجري تتفيّا
فتدبّ الحياة في كل عرقٍ من عروقي وفي مدى جانحيّا
وتميل الغصون، فوقك زهوا ويغني النسيم، لحناً شجيّا
ويذوب الكرى، بعينك حلماً ذهبياً، وعالماً سحريّا
ليتني أرزة على ربوة بيضاء تسعى الحياة، سعياً إليّا
يورق النور بين أوراقي الخضر ويسري العبير في جانبيا
وجناحي الطليق فوق ربى لبنان يبقى إلى القيامة حيّا
وفي غزلية رقيقة ترقص القلب لذّة وطرباً تقول في عينين عسليتين:
إني إلى جفنيك اعتذر ضجّ الهوى وتبدّد الحذر
بالأمس خلتهما على ظمأ سهمين يكمن فيهما الخطر
استغفر الأهداب كم لهما في كل قلب خافق أثر
عينان حلمتان من عسلٍ نثرت على مجراهما الدرّرُ
غنّيت في أجواء سحرها شعري، فماج العود والوتر
وسبحت حيناً في مياههما والكوكبان الشمس والقمر

أدب التمرُّد
تقول الشاعرة في سيرتها الذاتية: "لم أكن قد أتممت الثالثة من عمري عندما نظمت الشعر مع توقي الأنثوي إلى الحياة والحرية والمجد. ثم تضيف نعم استهواني لقب "شاعرة جبل عامل" وبسبب نشأتي في أسرة علم وأدب "آل الحر" فقد وجدت أن لا حاجز ولا عائق يقف بيني وبين اكتمال طموحي بالشعر وكانت هذه القناعة هي أساس ركيزتي وشجاعتي في مواجهة مجتمعي وقانون الحريم فيه.
وتحت عنوان «رسالة» نكتشف رسالة حبّ وطهرٍ وأباء:
ماذا يكون وقد جحدت هواه والقلب ويحك، لم يزل يهواه
ماذا أقول إلى الرسول وقد أتى برسالةٍ حملت إليّ شذاه
لثمت يداي حروفها وتعلّقت عيناي فيما سطّرته يداه
وانكب شعري فوق طيب أريجها يمتصّ من عبقٍ بها، أذكاه
وهفا فمي شوقاً إلى تقبيلها فأبى الأباء وحال دون مناه
حاولت تمزيق الرسالة عنوة ليعي الرسول بنفسه مغزاه
فمضت يدي قسراً تخبّئها هنا في الصدر، حيث حشاشتي فأواه
وفي بيتين يوجزان معنى الحياة العدمي تقول شاعرتنا:
قم بنا نمرح فالعمر مراح والأماني زقزقات وصداح
يا حبيبي قبل أن يأتي النوى فالنوى داءٌ أليم وجراح
وفي قصيدة عنوانها قلب بالمزاد موجّهه لمن يحبّ المال ويفضله على العواطف السّامية تقول زهرة الحرّ:
لو كنت أعلم أن قلبك يشترى بالمال بعث رصانتي وشريته
لكنني لم أدر أنك تاجرٌ وبأنّ قلبك بالمزاد، عرضته
بالله قل لي هل وعيت هوانه لما قبضت رهانه ورهنته
قد كان يروق من عيونك جاذباً كل القلوب، فقل لماذا بعته؟

أمام جمال عبد الناصر
وفي قصيدة ألقتها الشاعرة أمام الرئيس جمال عبد الناصر في ردهة قصر الضيافة بدمشق في 17 شباط 1958 على أثر الوحدة بين مصر وسوريا وهي وحدة ألهبت المشاعر القومية الصادقة:
هنيئاً بالوحدة العربية واسعدينا في عزّة قومية
ودعينا نشق في عالم المجد طريق الحياة والحرية
وتهادى جمال فالكون دنيا من جلال الإقدام والعبقرية
بايعته البلاد مصر وسوريا فمرحى للبيعة اليعربيّة

تعدّد المذاهب وقلّة الدين
وعن واقع حال الحياة السياسية الاجتماعية لوطنها لبنان والدين يسود التشرذم وتتحكّم الطائفية البغيضة بمفاصل تلك الحياة تقول:
قتلنا العلمَ والأدبا
وأحرقناهما، كُتبا
وعَلَّمنا الصغارَ
الغشَّ والكَذِبا
ورحنا نقتلُ الناطورَ
حتى نسرق العنبا
ونارُ الحربِ لم تُطفأ
ولم نعرف لها سببا
وقد بتنا لنيران الوغى، حطبا
ولا تلبث شاعرة جبل عامل أن تكتشف أن الطائفية كانت السبب فتقول:
تعدَّدت الطوائفُ والمذاهبْ
وقلَّ الدينُ واختفت المناقبْ
وباتت كلُّ طائفةٍ تُغنِّي
على وترِ المكاسب والمناصبْ
يُقاتلُ بعضنا بعضاً بعنفٍ
يحيطُ بأهلنا من كلِّ جانبْ
ونأبى الاعتراف بأيّ ذنبٍ
ونُلقي اللومَ فيه على الأجانبْ
وأثناء الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 أصدرت قصيدة تهاجم المتقاتلين على الساحة اللبنانية فتقول:
يا هادمين البيتَ فوق رؤوسنا
يا عصبة الأشرار، يا ظُلاَّمُ
الدينُ يبرأ، والنصارى منكمُ
يتبرأون، ويبرأ الإسلامُ
أفتدَّعون الذودَ عن أوطاننا
ضدَّ الخصيم، وأنتم الأخصامُ
تتقاتلون ولا نرى لقتالكمْ
مغزًى، ولا صدرت به الأحكامُ
وقد عاشت شاعرتنا رحمها الله عيشة مديدة ولما أحست بدنو الأجل كان لها هذه الأبيات التي ودعت بها دنيانا الفانية:
يا موت خذ بيدي فأنت ندائي إني أراك تحوم حول فنائي
خذني إلى الصمت الطويل فإنني ضيّعت هذا العمر في الضوضاء
خذني إلى الظل الظليل يلفني بحنانه في راحة وهناء
خذني إلى الإسم الذي وحّدته إني كرهت تعدد الأسماء

إعداد: وسام الأمين

الشاعر خليل عجمي والذي داعبنا بقصيدته الفكاهية "سيارتي" له في المواقف الجادّة أيضاً باع وقصائدٌ غرٌّ ملاح.. وفي قصيدة أهداها إلى الوطن بمناسبة عيد الاستقلال أرادها أن تكون فأل خيرٍ لعهدٍ جديد يأمل منه اللبنانيون كل خير، يضع شاعرنا من ذاته شيئاً كثيراً فإذا بها رائعة تحاكي شعر كبار شعراء الوطنية في عصرنا الحديث…
وطني أضاء الكون باستقلاله
وطني أضاء الكونَ باستقلاله واستقطب الدنيا بسرّ جمالهِ
وطن الثقافة والحضارة والنهى لغة التخاطبِ في عظيم مقاله
لبنان ما لبنان إلا جنَّة جَمَعَتْ طيور الحب في عرزاله
وطن الجمال إذا انتبهتَ رأيته في الحسن منفرداً بكل خصاله
فإذا نظرتَ إلى تألق أرزه فتخاله الفيروز فوق تلالهِ
وإذا نظرت إلى جمال ربوعه فبها تراه محدثاً عن حالهِ
أنسيتَ أن الشمس عند مغيبها صبغتْ أشعتها بلون رمالهِ
فكأنما الرحمن ساعةَ صاغه أعطاهُ بعد الخلق بعضَ جلاله
لن يعرف الإبداعَ يوماً شاعرٌ ما لمْ يكن لبنان نسجَ خيالهِ
وطن الكرامة والإبا جمع الورى بالحب بين صليبه وهلاله
الشمس تشرق من صخور جنوبه والبدر يطلع من جبين شمالهِ
والبحر مستلقٍ على شطآنه السمراء يلثمها بزرقة شالهِ
والنجمة الغرّاء من عليائها نزلت لكي ترتاحَ تحت ظلاله
وطن القصائد والبلابل والهوى تتفاخر الأوطان في أمثاله
فثقافة الإبداع في إعلامه وحضارة الإشعاع في إرساله
وطني الذي عزف الكنارُ نشيدَهُ وانساب عطر الكون من شلاله
أنا لا أصدق أن شيئاً آخراً غيرَ السلام يُريدُهُ مِن آلِهِ
وطني العظيم بشعبه وبجيشه لا يستطيع الدهر كسر نصالهِ
وطني الصغير بأرضه وسمائه قد حيّر الدنيا بوسع مجالهِ
قد زيّن الفصحى بخمسة أحرفٍ رسمتْ على المريخ عصر نضاله
وتلاقتِ الدنيا على أنغمامه فزها صباح الشرق في موّالهِ
يكفيه فخراً أنه البلد الذي تتصارع البلدان لاستقباله
لمّا يد التاريخ خطّت مجده كان المداد الحرّ من أوصالهِ
من أوّل التكوين كان ولم يزل قلب العروبة نابضاً برجاله
سلّ عنه بيروت التي مهما بكت ستظل شامخة شموخ جباله
سلّ عنه ماضيه الذي لا ينتهي يُنبيك حاضره عن استبسالهِ
لبنان قلب الشرق لا عجباً إذا بكتِ السماء على بكا أطفاله
فإذا استقلّ فما استقلّ لوحده فقدِ استقل الشرق باستقلالهِ
هو موطني وأنا فدائيٌّ له أحمي حماهُ أذود عن أجياله
وطني إذا ارتاح السلام بقلبه يرتاح قلبي بعد راحة بالهِ
الشاعر خليل عجمي
 

آخر تحديث: 1 يوليو، 2011 4:39 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>