أبو علي الراسي مَن ينكره؟!

 أبو علي، سلام الراسي (1911 – نيسان 2003) من لا يعرفه. إنه شيخ الأدب الشعبي، الذي التقط مشافهات الجنوبيين، ووثّقها في سلسلة من الكتب. إنه أكبر من «حكواتي»، إنه الباحثُ عن الكلمات الجديدة، قاموساً حيّاً، متجدّداً، يقرأ حكايا الناس ويبعثها حيّة قويّة ومعبّرة تدلل على طبيعة ناس وحضارة قول ومعرفة، قطف عناوين كتبه من أمثالنا الشعبية ورفعها إلى مصاف الأدب الحي، وجمع مادته الأدبية عن شفاه الناس العاديين، الذي لم يتنبه إليه الكاتبون والمؤلفون والباحثون، لاعتبار هذه المادة لا تستحقّ عناء الجمع. ولكن هذه الكتب التي تركها خلفه «أبو علي» باتت مرجعاً حيّاً للتراث العاملي، بل للتراث اللبناني العام.

ولد سلام الراسي في إبل السقي قضاء مرجعيون والده القس الإنجيلي يواكيم الراسي مؤسس مدرسة الفنون الأميركية في صيدا أواخر القرن التاسع عشر، بعد تخرج سلام من الثانوية مارس التعليم لمدّة سنتين في مدارس الجنوب ثم انتقل إلى العمل في الحقل الاجتماعي والوطني ومارس وظيفة إدارية في مصلحة التعمير في أعقاب الزلزال الذي ضرب لبنان عام 1956. اقترن بالأديبة إميلي غطاس وأنجب ثلاثة أبناء وبسبب ما كان يمثله الإمام علي بن أبي طالب(ع) في وجدان أديبنا من تجسيد مُثُلٍ عليا يتطلع إليها كل ذي سريره نقيّة إضافة إلى روحه العربية التي جبّل فيها فقد سمّى ابنه البكر علي والأوسط خالد والأصغر رمزي.
مارس الأديب الراحل الكتابة نثراً وشعراً وحاضر في كثير من النوادي الثقافية في الجنوب، انتسب إلى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وبدأ مطلع السبعينات بإصدار مؤلفاته في «سلسلة الأدب الشعبي» التي حققت له شهرة كبيرة بسبب رواجها وسرعة انتشارها بشكل هائل في صفوف القرّاء فتركت بصمة مميّزة في دنيا الأدب العربي واللبناني بشكل خاص، واعتمدت تربوياً نصوصاً مختارة منها في الكثير من كتب القراءة في المدارس من أجل تثقيف الناشئة وتوعيتهم وتعريفهم بتراثهم الأصيل وما فيه من أمثالٍ وحكم «ترويه بإسلوب قصصي تغلب فيه الطرافة وجمال التعبير الذي يؤلف روعة ترثنا الشعبي الجميل».
أهم مؤلفاته: لئلا تضيع – في الزوايا خبايا – حكي قرايا وحكي سرايا – شيخ بريح – إقعد أعوج وأحكي جالس الحبل على الجرار وغيرها.

طرافة أبو علي الراسي
ومن كتابه أحكي أعوج وأحكي جالس المطبوع عام 1996 نقتطف بعض النصوص الطريفة المرويّة على طريقة سلام الراسي.
يقول الراسي: حدث أن شاباً صديقاً لي أراد أن يهدي صديقة جهاز «سليولير» وكان قد راج حديثاً وطلب مني أن أرفق هديته بأبيات من الشعر لترطيب عواطفها فقلت:
بيني وبينك «بالسليولير» لا تكتمي ما في الفؤاد من الجوى وتكلمي
وتعربطي «بالسليولير» عند الكرى قرب السرير فإن تنامي تحلمي
بي، أيقظيني، فالتشاكي جائزٌ «بالسليولير» والبوح غير محرَّم
ومن شعره العامي اللطيف:
جارتي معجب أنا بفنونها قريت المروّة والشرف بعيونها
يا ريت إقدر زورها بليلة شتا بردان إتدَّفئ على كانونها
وتحت عنوان: «من الفصيح ما قتل» يروى هذه النادرة الشعرية:
يحكى أن شاباً طلب من الشيخ إبراهيم الحوراني أحد كبار شعراء القرن الماضي أن ينظم له بيتاً من الشعر يرفقه بخاتم مرصّع بالماس يريد أن يقدمه لخطيبته فتناول الحوراني ورقة وكتب عليها بخط جميل البيت التالي:
وخاتم حصحصته بالحصوص إلى التي تهدى إليها الفصوص
وما كادت الفتاة تقرأ البيت المذكور حتى ألقت الخاتم من يدها ومزَّقت الورقة وانهالت على خطيبها تتهمه بالإساءة وقلة التهذيب، ولكن بعد مراجعة النفوس والقاموس على حد قول الكاتب هدأت النفوس إذ تبيّن أن كلمة «فص» تعني حجر كريم. فراق عندئذ خاطر الصبيه وقبلت الهدية ثم عاد الشاب إلى الشيخ الحوراني يطلب منه أن يكتب له بيت الشعر مجدّداً بخطه الجميل فكتب له إلا أنه وضع هذه المرّة أقواساً حول كلمة فصوص. وعندما سأله الشاب عن الغاية من وضع هذه الأقواس حول الكلمة قال «أول فصوص كان معناها حسب القاموس، وثاني «فصوص» حسبما فهمت العروس!!

المحقّق اللغوي والشعبي
وعن تحرّيه عن الغامض من الكلمات والتعابير العاميّة بشكل علمي لا يخلو الطرافة يقول: في «قرية وادي بعنقودين» شرقي صيدا وقف المختار يشرح للأديب ولوزير التعمير آنذاك إميل البستاني ما حدث قال: كنت نايم ما شفت غير الأرض تحت مني «تحلفصت»، نجينا يا رب، فتحت عيوني ما شفت غير حجازة البيت «تفلفصت»، نشبت «جوجلت» ولادي و«هشلت».
يقول فأشار عليّ البستاني أن أكتب هذه الكلمات لئلا أنساها، وكان ذكياً فطناً فقال لأديبنا «من الذي يستطيع تأصيل هذه الكلمات وتأهيلها لكي يحق لها أن تتربع في مجالس الأدب؟
فأجابه الراسي: أسأل ابن عمك فؤاد أفرام البستاني لعله يستطيع.
فقصده المؤلف وحده ولكنه رفض أن يعطي رأياً وتفسيراً لهذه الكلمات قائلاً: «ذكّر ابن عمي إميل بنسيبنا أبو جرجي من دير القمر الذي غيمت السماء يوماً وأرعدت ثم انحبس المطر فقال: «السماء عصمصت» ولما مات رفض الشيخ عبد الله البستاني أن يحضر مأتمه لأنه استعمل كلمة عاميّة غير لائقة في التعبير عن واقعة حال محترمة؟!
ثم أضاف فؤاد البستاني: «وهل يريد ابن عمي أن يكون أجل مصيري مثل مصير نسيبنا أبو جرجي»؟
لأجل حلّ هذه المشكلة العويصة فإن أديبنا يقول: «أما أنا فقد «دقّر» عقلي عند «تحلفصت» و«عصمصت» ومثيلاتها من الكلمات الشعبية المظلومة المكتومة، فاستعرت كلمة «جوجل» من لسان المختار ورحت أجوجل بعض الكلمات المشابهة، قلت: الكلاب «عوعصت» والحمير «عنفصت»، وضرب أبو مرهج زوجته لأنها ¬«جافصت» وعنفت أم مرشد ابنتها لأنها «بلغصت» في صحن المجدرة». وتوقفت أخيراً قبل كلمة «قرفصت» لئلا يصير مصيري مثل مصير المرحوم أبو جرجي في دير القمر!!

هاجى نفسه
وتحت عنوان: من هجا الناس هابوه ومن هجا نفسه أحبوه روى أديبنا أنه «في أواخر 1959 أصدرت الحكومة قراراً بحلّ مصلحة التعمير وتصفيتها وحددت آخر الشهر موعداً لإنهاء خدمات موظفيها الذين كنت في عدادهم، فخطر ببالي أن أودّع مكتبي ببيتين من الشعر كتبتهما على قصاصة ووضعتها تحت لوح الزجاج الذي كان يغطي طاولتي لكي يقرأها من يأتي بعدي وقلت:
وداعاً مكتبي وانعم بمقدم هيئة أخرى
إذا ما هيئة ولّت تولت هيئة أخرى
ولم أشكل الهمزة في كملة «أخرى» حتى يقرأها من يخلفني في مكتبي كما يشاء. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان عندما استبقتني الإدارة قيماً على موجودات الدائرة فأشار أحد الزملاء إذن عليك أن ترد على نفسك الآن فقلت:
عزاءً مكتبي واتعس بنا في جولة أخرى
رجعنا حين لم يجدوا سوانا هيئة أخرى!
أما في تحريه وتأصيله للأمثال اللبنانية نقتطف «بق البحصة» فيحكى أن البطريرك سمعان عواد كان عنده شماس اسمه أنطوان وكان طيب القلب ولكن سريع «سب الدين» بحكم العادة وكلما حره البطريرك اعتذر وقال أنها غصباً عنه وبدون إرادته. فأمره أخيراً أن يضع دائماً في فمه بحصة فإذا طرأ ما يوجب السباب تمنعه البحصة من الكلام فيرتدع.
وحدث يوماً أن البطريرك كان يزور إحدى القرى ولدى خروجه منها سمع امرأة تناديه من رأس الضيعة وتستحلفه بالقربان المقدس أن يمر على بيتها، فرجع وأخذ يسير صعوداً في طريق موعرة، برغم شيخوخته ومعه أنطوان المذكور، حتى وصل إلى بيت المرأة بشق النفسِ، وإذا بها تطلب منه أن يبارك لها «القرقة والصيصان» فاستشاط غيظاً البطريرك وصاح بالشماس أنطوان: «بق البحصة»! وصارت عبارته مثلاً.
 

آخر تحديث: 27 يونيو، 2011 2:48 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>