فكاهيات موسى الزين شرارة العابرة للقارات

 يستكمل كشكول عامليات الفكاهي الذي بدأ مع الشيخ نجيب مروّة في حلقة أولى، ليبدأ مع الشاعر موسى الزين شرارة عن تجاربه في الحياة والأدب. وهو من مواليد عيناتا 1902. وقد ذاعت بعض هذه القصائد على ألسنة العامة وفي وسائل الإعلام أحياناً لبساطتها وجرأتها. وهنا الحلقة الثانية.

• هجاء الشيخ نجيب مروة المرحين سرقوا عمامته البيضاء!
• انتقد موسى الزين شرارة «مفتي السلطان» والتدين الأعمى والوجاهة.
• الشاعر عبد الحسين عبد الله سلاطة لسان.
• جمعت «العرفان فكاهيات جبل عامل نوادر والشعرية واهتمت بالتاريخ والأدب فعكست واقع الجبل.

فللشيخ نجيب مروّة أيضاً بعد أن عضَّهُ الفقر وعمته الفاقة:
إن التباعد بين المال والأدب أعيا أولي العلم من عجمٍ ومن عرب
عاداهم الأصفر الرنان مذ خلقوا دون الأنام بلا ذنب ولا سبب
وعندما حاول الشيخ دفعاً للفقر أن يفتح دكاناً في قرية «عيتا» باءت تجارته بالفشل الذريع فنعاها بقوله:
فجئت بلدة «عيتا» واتخذت بها تجارة ولها أصبحت منتبها
لكي أعيش بلا منن بمكسبها وعن جميع لئام الناس تغنيني
يشرون بالدين من عندي لوازمهم ويصرفون إلى غيري دراهمهم
حتى إذا جمعوا يوماً مواسمهم يأبى هناك لقائي كل مديون!
وعندما سُرقت عُمّته البيضاء في إحدى المناسبات في أواخر شهر رمضان قال:
لقد وجبت مذمة أهل… لتركهم المروءة والشهامة
لو أن لهم كبعض الناس ديناً لما سرقوا لشيخهم العمامة
فلا دينٌ ولا شرف لديهم ولا لهم على الحق استقامة
أما الشاعر موسى الزين شرارة الذي ولد عام 1902 فيقول عن نفسه:
حملت لوا النضال وكنت طفلاً فشبت ولم أزل في لمعمعان
فلم أرهب غداة الشيخ صلى وكفّرني وللباري شكاني
كذاك «البيك بيكي» لم يخفني بقوّته ولم يثنِ عناني
ولم يوفر نقده رجال الدين أو بعضهم آنذاك لما لمسه الناس منهم محاباة للزعامات السياسية على حساب الشعب المظلوم، فأضحى الكثير منهم «مفتي السلطان» كما الأيام الخوالي من أجل الإفادة من نعم البيك بإعانته على العامة المقهورين وعندما هاجر الشاعر موسى الزين شرارة إلى سيراليون في أفريقيا أرسل إلى مجلّة «العرفان» هذه القصيدة نقتطف منها بعض الأبيات:
تعاتبني وقد غادرت قومي وأوطاني إلى البلد البعيد
تقول أراك ما أذللت دمعاً على وطن الأبوة والجدود
فقلت لها علام النوح أني رحلت عن العبيد إلى العبيد!
هنا أرض الحياة فلا زعيم تساق له الغلال بكل عيد
ولا ذو عمّة يبكي «حسيناً» رياءً وهو أفظع من «يزيدِ»!!
وله أيضاً في ذم التديُّن الأعمى بعد زيارة الأديب الدكتور جرجي باز عام 1934 وكتب بعد ذلك مقالاً يشكو فيه «جهل المرأة في الجنوب اللبناني» بعد أن رأى أن المدارس على قلتها آنذاك تخلو تقريباً من أيّة فتاة فقال شاعرنا:
لو أن غيرك يا ابن الباز خاطبنا بمثل ما قلت قلنا ويحه كفرا
أتيت تطلب تعليم الفتاة وأن تشدو فتسمعنا من نظمها الدّررا
هوّن عليك في لبنان عاملة فنحن أكبر من أن نكبر الشعرا
ما للفتاة وما للعلم في بلدٍ لو أمكن البعض فيه حجّب الذّكرا!!
وفي قصيدة للشاعر أذيعت في الإذاعة اللبنانية عام 1960، ما أشبه معانيها وظروفها بما تمر به بلادنا هذه الأيام:
زعموا بأن الدين فرّق بينهم حاشاه بل هو جهلهم بالدين!
قد أوصدت كف التعصب بابه حتى غدا «زنزانة» المسجون!
وتستروا بردا المذاهب مثلما يتستر الصياَّد خلف كمين
ما بالكم ساد التباين بينكم حتى استباح الملحدون عريني!
وله أيضاً يعاتب ويداعب أحد أصدقائه من آل زهر الدين:
إذا كنت زهر الدين فكيف شوكه يا ثقيلاً تعبت منه البشر
أنا شيعيٌّ ولكن طالما أنت شيعيٌ فمعبودي عمر!!
ولما أشيع أن الأستاذ محمد كامل شعيب امتدح بعض الملوك بقصيدة فمنحه لقاء ذلك لقب «باشا» أرسل له شاعرنا هذه القصيدة على سبيل المداعبة تقتطف منها:
يقولون… أعطاك رتبةٌ فأصبحت «يا أستاذ عاملةٍ» باشا
وإنك قد أعطيتها بتزلُّف وبذل مياه الوجه قلتُ لهم حاشا
أيبذل ماءَ الوجه حرٌّ شعاره أديب يداجي أو يمالئ لا عاشا
متى كان وهو الحر يمدح معشراً أقاموا لهم فوق الجماجم أعراشا
وشادوا على الأكواخ قصراً وأتخموا من الجائع الطاوي جيوباً وأكراشا
ولما نشرت مجلة العرفان قصيدة للشاعر عبد الحسين عبد الله صديق الشاعر شرارة وضوه بعنوان «رجعتِ إلى ربي» يبدي التوبة والندم عما فات من عمرٍ أمضاه في لهوٍ وبعد عن الله أرسل إليه هذه الأبيات:
إلهي سل عبد الحسين الذي أتى إليك منيباً باللسان وبالقلب
يذيل دموع النادمين على الذي تقضى من الستين باللهو واللعب
ويندب عمراً ضاع في مهمه الشقا وفي بلقع قفر من الخير والحب
تصرم بين العبث واللهو والهوى وبين الندامى وابنة الكرم والشرب
إذا صح أن قد ثاب للرشد واهتدى بنورك من بعد المتاهة للدرب
وطلق أهل الشعر والفن وارتدى مسوح التقى مثلي وندّ عن الصحب
وألجم شيطان القريض عن الهجا وذم بني الإقطاع والشتم والسب!
وتقريع أشياخ «بمسحوق» هديهم وصابون تقواهم تغسلت من ذنبي!
وقلت لمن سلوا القريض بواتراً بوجهي وهبوا كالكواسر للحرب
وسُميت في أوساطهم متخلفاً بليداً بلا حس «كشيخي» بلا لب!
وتبت بصدق فارتضى الله توبتي وحوّل آثامي إلى «لجنة الشطب»
وبوأني في جنة الخلد منزلاً مع الصفوة الأبرار والآل والصحب
وعبد الحسين الفذ لو كان مخلصاً بتوبته هذي ليسكن في قربي!
ولأن الشاعر المرسل إليه هو عبد الحسين عبد الله الذي عرف بعناده وصلابته في الدفاع عن رأيه مشفوعاً بما أوتي من عصبية وسلاطة في اللسان يشهد له بها، وجرأة عدّها كثيرون وقاحة، فيجدر بنا التوقف عنده ولعل خير جواب على قصيدة صديقه الأستاذ موسى الزين شرارة ما قاله ردّاً على مديح وصله من أحد العلماء بأنه أصبح متديناً ويؤدي الفرائض الدينية! أجاب عبد الحسين عبد الله:
علاّمة العصر من أنباك قد كذبا أني أصلي فعقلي بعد ما ذهبا!
ولحيتي لم تطل يوماً كلحيتكم ولا عكفت كابن الأسعد الشنبا!
ولا حملت كذيل الهر مسبحة ولا تركت الهوى والشعر والأدبا
نكبت بالشعر تكفيني نوائبه دعني ومن بالصلا والصوم قد نكبا!
عفت الصلاة لشيخ راح يمنعني شرب المدام ودوماً يأكل العنبا
يعذب الله من خان البلاد ومن باع الضمير ومن مارى ومن سلبا
أما أنا كي أزيد النار فوقكم قدمت جسمي إلى وقادها حطبا!!
وله أيضاً تلك الأبيات المشهورة التي يتناقلها الجنوبيون جيلاً عن جيل في ذم بعض رجال الدين الذين يستغلون الدين لمآربهم الشخصية:
بين العمائم واللحى إبليس يبحث عن حجا
قد القحوها فتنة دارت بنا دور الرجى
سكر بغير إفاقةٍ يا رب سكرانٍ صحا
ولكبار الموظفين المرتشين نصيب من هجوه أيضاً:
يا مدير الاقتصاد الوطني دلني من أين أصبحت غني
لم تهاجر لم تتاجر لم ترث عن أبيك الفذّ غير الرّسن!!
وله أيضاً يصف حال الناس في دار أحد الزعماء يترأسهم خادمه أبو علي:
جلسوا كالسوام في فسحة الدار بهيم محدّق ببهيم
يتعالى أبو علي عليهم مترأس الخدام كالمخدوم
علفوا الكل من يديه فأمّا جاءهم قابلوه بالتعظيم
 

آخر تحديث: 21 يونيو، 2011 2:14 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>