قانون العنف الأسري: الأحزاب «تكتشف» المجتمع المدني!

فجأةً، قررت الأحزاب السياسية المشاركة في نشاط مدني. هي، التي يفترض أن تناقش «قانون العنف الأسري»، وتصوّت عليه، في مجلس النواب، تظاهرت أمس، للمطالبة بإقراره. وأتت التظاهرة التي نظّمتها جمعية «كفى عنف واستغلال» بمشاركة ناشطين مدنيين، كردة فعل على حملات «معادية» للقانون نظّمتها دار الفتوى منتصف الأسبوع الفائت شمالاً، من دون أن يمنع ذلك «حلفاء الدار» التقليديين من المشاركة فيها!

لا أحد في وزارة الداخلية. المبنى مستلقٍ على أطراف المدينة بلا شمس. عابسةٌ نوافذه القديمة وأبوابه معطلة. كأنه مهجور بعدما غادره الوزير «المدني» الوحيد، تقريباً. لذلك، جاز افتراض بعض النسوة، اللواتي جئن للمطالبة بإقرار قانون العنف الأسري، أمس، أن لا أحد ـــــ في تلك البقعة ـــــ سيسمع هتافهنّ. من هناك، سار الهتاف إلى مجلس النواب، الذي لا يقرّ شيئاً. نظرياً، رأى كثيرون، أن رحيل الوزير الوحيد الآتي من خلفية مدنية، قائمة على ثقافة المواطنة، سيخلّف فراغاً «معنوياً» تعب بارود ـــــ أخيراً ـــــ من ثقله فوق كتفيه، ولم يستطع سده. لكن المجتمع المدني مستمر. والوزير المعتكف، كما قالت إحدى الناشطات «مدعوّ إلى استعادة موقعه الطبيعي بين أهله في المجتمع المدني».

كالعادة، حملن اللافتات: «حماية قانونية كرامة إنسانية». «من أجل العدالة للنساء والفتيات في لبنان نطالب بحماية النساء من قانون العنف الأسري»، مع ملاحظة جديدة، أو توقيع جديد يذيّل اللافتة: «القوات اللبنانية». قبل انطلاق التجمع نحو البرلمان، ظهرت لافتة أخرى مطابقة، مذيّلة بتوقيع أكثر التباساً: «تيار المستقبل». انضمّ «التيار» مدعوماً من رئيسه إلى المسيرة، من دون أن يظهر أي دليل ملموس على انضمام أصوات نوابه بعد لمصلحة القانون. يتحدث الناشطون عن «التباس» بعد الحملات المعادية لقانون العنف الأسري منتصف الأسبوع الفائت، المدعومة من دار الفتوى. وبمعزل عن فرضيّات التسييس التي «فحّت» في أوساط المشاركين، فإن الإيجابية الأولى تكمن في خروج التيار من عباءة الدار، ومشاركة هيئاته النسائية إلى جانب الخيار المدني.
بالنسبة إلى القوات، لم يقتصر الأمر على اللافتات، بل حضرت النائبة ستريدا جعجع شخصياً، يرافقها النائب إيلي كيروز. وتوالى اكتشاف التحولات في صفوف الأحزاب السياسية، من الخيارات التقليدية المؤيدة للمؤسسة الدينية إلى الحملة المدنيّة. هكذا ظهرت لافتة لحزب الكتائب، محاطة بأرز الرب. ذلك لا ينفي أن نواة التجمع الرئيسية تشكلت من ناشطي المجتمع المدني. ولاحقاً، بعد إلقاء الكلمات، تبين أن التيار الوطني الحر مشارك في الحملة هو الآخر، فضلاً عن أن مسؤولين في جمعية «كفى عنف واستغلال» أشاروا إلى وقوف حركة أمل مع القانون. وفي أحوال مشابهة، لا تبدو «الزوابع» السورية القومية الاجتماعية هجينةً على نشاطات مشابهة، بما أن الحزب علمانيّ في الأساس. المشهد الهجين كان لرجلٍ قواتي «مناهض» للعنف ضد المرأة، على مقربةٍ من لافتة الحزب السوري القومي الاجتماعي. لكن مفارقة «الصليب المشطوب» المتدلي فوق صدر القواتي، والزر الموشوم بالـ«زوبعة» على قميص إحدى القوميات، لم تثر أي حساسية، في «فسيفساء» المشهد. فقد مشى الجميع خلف لافتة منظمة «كفى» التي رتبت التظاهرة. حافظ الجميع على هتافات محددة، منذ لحظة الانطلاق في الصنائع، وصولاً إلى ساحة رياض الصلح.
في الساحة، بثت الأغنيات، و«دبك» الناشطون والناشطات احتفالاً. ألقت رئيسة جمعية «كفى» زويا روحانا كلمة باسم التحالف الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، تحدثت فيها عن نضال التحالف، ولفتت فيها الى أن «المقاومة ليست فقط مقاومة لاحتلال أجنبي، بل لها وجه آخر يتمثل في مقاومة التسلط والاستعباد والانغلاق». وفي كلمتها، رفضت روحانا محاولات إلغاء القانون «بحجة الحفاظ على الأسرة، يريدون إلغاء هذا القانون وإن لم يتمكنوا، يريدون إفراغه من مضمونه». وإلى كلمة الناشطين القدامى، انضمت النائبة ستريدا جعجع إلى خطباء المسيرة، معلنةً تبنّي «فريقها السياسي للحملة». وأبت المسؤولتان في التيارين «الوطني الحر» و«المستقبل» إلا المشاركة في المهرجان الخطابي الذي اختتم التظاهرة، مشددات على دعم التيارات السياسية الني ينتمين إليها للمشروع. وبدت المشاركة الكثيرة للسيدات المحجّبات في النشاط أمراً لافتاً، كما يقول مشاركون في التظاهرة رأوا أن تلك المشاركة «تعكس الوجهة الحقيقية للتظاهرة بوصفها حراكاً اجتماعياً غير موجّه ضد فريق أو دين أو مذهب». وفي إطار منفصل، علقت إحدى الناشطات المداومات في الحراكات المشابهة على مشاركة الأحزاب السياسية في التجمع «شاكرةً لهم إيفاد ناشطين بعدد أقل من أصابع اليد الواحدة لحمل اللافتات المؤيدة»، قبل أن تستدرك ضاحكة: «فلنكن عقلانيين، نحن نرحّب بالجميع تحت سقف القانون (العنف الأسري)». إذاً، ينتظر الناشطون «تقريش» الخطابات التي هبطت فجأة، أمس، في اللجنة التي تدرس القانون، وتالياً في صناديق التصويت على إقرار القانون. السوابق غير حميدة. وكل مرة دخل فيها اقتراح مدني في زواريب السياسة، تاه.
صحيح أن العدد لم يكن أخّاذاً، على غرار التجمع النسائي الشهير في «ساحة الشعب» بمدينة ميلانو الإيطالية، أخيراً، المناهض لرئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني، على خلفية «تصريحاته التي لا تحترم المرأة»، لكن لبنانياً، أن يحضر المئات، ليس بالأمر السيئ، برأي المنظّمين. فإذا كنا نتحدث هنا عن «مئات» فهذا لا يعني أن العدد كان قليلاً. وإن كان اللبنانيون من جماعة «الملايين» لا يلزم هذا الواقع الحركة النسوية اللبنانية بالحشد وفقاً لهذه المعايير. الجميع يعرف جذور الأزمة الاجتماعية اللبنانية، والاختلاف الحاد في وجهات النظر بين المؤسسات الدينية والمجتمع المدني ليس قديماً. وكان التحرك المدني أمس في هذا السياق، استتباعاً للحملة التي بات لها أعداء، رفعوا شعارات «قروسطية» شمالاً، خلال تجمع اعترضت فيه «الهيئة النسائية الإسلامية في الشمال» التابعة لدار الفتوى، على قانون العنف الأسري، مطالبةً بإقامة «دورات توجيهية للمقبلين على الزواج، وتوسيع صلاحيات المحاكم الشرعية، بحيث تتمكن من بتّ قضايا العنف الأسري».

آخر تحديث: 30 مايو، 2011 8:00 ص

مقالات تهمك >>