بريد صيدا خالٍ من الناس.. في داخله ذكريات الزمن الجميل

الاشتياق والحنين إلى الأحبة، واللهفة لمعرفة أخبارهم لم يعد كما السابق، يستغرق أياماً وأسابيع، حيث كان البريد أداة التواصل، أما اليوم، فإن عصر التكنولوجيا والعولمة بات يختصر مسافات العالم بثوانٍ، مع ابتكار وسائل الإتصالات الحديثة "صوتاً وصورة"، والحنين إلى الذكريات الجميلة إلى البريد، وحمل الرسائل، وإعادة قراءتها لعدة مرات.

بريد الدولة في منطقة صيدا، بات الآن "يتحسّر" على أيام زمان، وباتت معه خزائنه الحديدية صدأة، ويعلوها الغبار ويأكلها النسيان، وصارت بمثابة "صناديق للفرجة" بعدما أهمل أصحابها كتابة الرسائل، أمام ثورة التكنولوجيا والاتصالات، وبقيت معها رسائل المغتربين سوى ذكريات جميلة، حيث تحوّلت مراكز البريد الرسمية إلى مجرد مكاتب خالية من الحركة، بعدما كانت تضج بالازدحام والصراخ.

فبالرغم من العولمة وتطور وسائل الاتصال والتواصل، لا يستطيع المواطن الإستغناء عن بعض مراكز "البريد" المخصّصة والمعقّبة للمعاملات والخدمات، تسهّل على المواطنين إنجازها مقابل رسوم مالية رمزية، بدلاً من مشقة الانتقال إلى الدوائر الرسمية والانتظار كما هو الحال في الدول الأوروبية، بينما تحوّل ما تبقّى منها والتابعة لـ "وزارة الاتصالات" إلى مجرد ذكريات جميلة، وبحسرة وشوق يرويها الموظفون السابقون للحاليين، كيف كان الناس يتلهفون بإنتظار وصول رسالة، بعدما كانت على مدى عقود طويلة وسيلة التواصل بين المقيمين والمغتربين، تحمل الفرح إلى قلب صاحبها لمجرد رؤية ساعي البريد يحملها إليه من بعيد.

أمام بريد عين الحلوة، الكائن قبالة مسجد "الموصللي" في تعمير صيدا، الخالي من الناس، جلس الحاج هلال عنتر (65 عاماً)، والتي قضى منها 42 عاماً كساعٍ للبريد، يسرد ذكرياته مع هذه المهنة، التي بدأت تتلاشى، وقال: باشرت العمل في 5 تشرين الثاني عام 1966، وأُحلت إلى التقاعد في 25 تموز 2008، أي أنني خدمت نحو 42 عاماً، كانت مليئة بالروايات والذكريات، لم يكن ساعي البريد مجرد موظف، ينقل الرسائل وبطاقات المعايدة، بل أنه كان "دليل المدينة"، وصديقاً للناس، الذين لهم مسافرين في الخارج، أما الأشخاص الذين يدخلون المركز الآن لإيداع رسائلهم فيُعدون على أصابع اليد.

معاني الشوق والانتظار وأضاف: صحيح كانت الرسالة تتطلب أسبوعاً وما يزيد، لتصل، ولكنها كانت تُسعد مستلميها، وهي تحمل معاني الشوق والانتظار، كثيراً منهم كانوا ينتظروننا عند مداخل وأبواب بيوتهم، أما سبب تأخر وصول الرسائل آنذاك، يعود السبب إلى حركة الطيران البطيئة بسبب قلة المسافرين قبل 5 عقود، وكانت الرسائل تصل إلى مطار بيروت، ثم تفرز وفق المناطق، ثم ترسل إلى المركز في صيدا، وبدورنا نقوم بفرزها وفق الأحياء والمناطق والقرى، قبل أن نُباشر توزيعها، وكل ذلك يتطلب وقتاً وجهداً، رغم وجود 35 موظفاً – 8 منهم سُعاة بريد – موزعين، أما اليوم، فالموظفون يُعدّون على أصابع اليدين، لم تعد هناك حاجة لهم أمام عصر التكنولوجيا والاتصالات و"الإنترنت"•

وعاد عنتر بالذاكرة إلى رفاقه في العمل، فتذكر "خضر غزاوي، نعيم غصن، سمير اسكندر، زكريا البابا، أنيس أبو زيد، عفيف نجم وسامي متى، لقد عشنا أجمل أيامنا، كنا صلة الوصل بين المغتربين والناس هنا، وكم هو شعور رائع أن ننقل خبراً ساراً أو نبأً بعودة مسافر، كان الناس ينتظرون ذلك بشوق وترحاب وتحية وابتسامة".

وتابع: كانت وسيلة النقل لإيصال الرسائل بدائية، وكنا نعتمد "السير على أقدامنا" في أغلب الأحيان، أو على الدراجة الهوائية أو النارية حيناً، ولاحقاً السيارة الخاصة، كي لا تتكدس الرسائل، ومن أجل ضمان وصولها إلى مستلميها سريعاً، فقد حفظت أحياء المدينة وأزقتها ومنازلها عن ظهر قلب، قبل أن انتقل إلى وظيفة فرز الرسائل وبديل، أي ساعي مجاز.

وابتسم وهو يتذكر حادثة وقعت معه، إذ وصلت ذات مرة رسالة من ألمانيا، مكتوب عليها اسم المنطقة واسم المستلم دون أي تفاصيل، ويروي عنتر الحادثة، "بقيت أسأل عن صاحبتها أياماً معدودة، إلى أن تمكنت من الوصول إليها، عندما طرقت باب المنزل وعرفتني بادرتني القول: "هلق جيت، لقد وصل المسافر نفسه".

وختم عنتر: كان يتطلب وصول الرسائل البريدية في الماضي إلى صاحبها أسبوعاً وأكثر، وفي بعض الأحيان أكثر من شهر، ونادراً لا تصل أبداً.

صيدا والبريد وقّع لبنان عام 1998 عقداً مع الشركة الكندية لتوزيع البريد "SNSLavalin" لإدارة هذا المرفق، لكن العقد فُسخ بعد بضع سنوات، وانتقل إلى شركة "Lebanon Invest" التي أخذت على عاتقها أيضاً تجديد جوازات السفر للمواطنين عبر خدمة البريد ولاقت نجاحاً لافتاً• أما في صيدا، فهناك مركزان للبريد:

– الأول: الرئيسي والكائن في شارع رياض الصلح قرب مسجد الزعتري، وبات مخصصاً بيد شركة "ليبان بوست".

– والثاني: أصبح بريد عين الحلوة الكائن قبالة "مسجد الموصللي" في تعمير عين الحلوة، المركز الوحيد التابع للدولة.

آخر تحديث: 13 ديسمبر، 2014 1:36 م

مقالات تهمك >>