المخدّرات: تجارة محمّية!

في ظل الانقسام السياسي الحاد وانشغال المسؤولين والقوى السياسية والاجتماعية في ملفي تأليف الحكومة الجديدة والمحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان، تجتاح المجتمع اللبناني ظاهرة خطيرة جدا تتمثل بتفاقم ظاهرة الإتجار بالمخدرات واستهلاكها المتنامي لدى الشباب اللبناني، الامر الذي ينذر بما هو أسوأ انطلاقا من تزايد حوادث إطلاق النار المتبادلة بين مروّجيها في عدد من المناطق، والمتعاطين أنفسهم، أو بينهم وبين الآخرين، مع ما يشكله ذلك من خطر على السلامة العامة.

يتحدث الضابط في مكتب مكافحة المخدّرات الملازم الأوّل رامي الحايك إلى "الجمهورية" عن المنافذ البحريّة والجويّة والبريّة التي تدخل عبرها المخدّرات إلى لبنان. ويقول: "في المنفذ الجوّي، يحصل تهريب المخدرات بواسطة مسافرين من لبنان أو قادمين إليه عبر مطار رفيق الحريري الدولي. ويتم ضبط محاولات التهريب بالتعاون بيننا وبين جهاز أمن المطار". ويروي تفاصيل آخر عمليّة نجح مكتب مكافحة المخدّرات المركزي في مخفر حبيش في تنفيذها، إذ ضبط 2975 غراما من مادّة "الكابتاغون" في قعر حقيبة أحد القادمين إلى لبنان. ويشير الى نجاح المكتب في تنفيذ عمليات مماثلة "نتيجة الإخباريات التي غالبا ما تساعدنا في إحباط عمليّات تهريب للمخدّرات، كأن تردنا معلومات عن أحد القادمين أو الذين يتخّذون من لبنان ومطاره الدولي نقطة عبور (ترانزيت) إلى بلدان أخرى، فنتلقى معلومات من مخبرين محليين أو زملاء لنا في أجهزة أمن البلدان التي يقصدها المهرّبون، أو حتّى عبر الإنتربول".

ويعترف الحايك بأنّ مراقبة المنفذ الجوّي قد تعترضها مصاعب عدّة، وخصوصا لجهة ابتكار التجّار أساليب جديدة للتهريب. لكنّه يزعم أنّ "لا عمليّات تهريب كبيرة للمخدّرات تنجح في مطار بيروت، باستثناء بعض الكميّات الصغيرة للاستخدام الشخصي التي يمكن أن تُخبّأ بطريقة ما مبتكرة". ويضيف: "نعمل جاهدين لمنع دخول المخدّرات إلى لبنان، لكنّنا نعي جيّدا أنها ما زالت تدخل، وما من دولة في العالم تستطيع إنكار وجود المخدّرات فيها".

ويتحدث الحايك عن طرائق تهريب المخدّرات عبر المطار، فيشير إلى أنّه "لا يحدث في حقائب المهرّبين أو أجسادهم فقط، بل في الشحن أيضا. وللتصدّي لهذا النوع من التهريب، يستخدم مكتب مكافحة المخدّرات كلابا بوليسيّة مدرّبة على أنواع المخدّرات، بالتعاون مع مكتب اقتفاء الأثر، ما مكّننا من إحباط عمليّات تهريب عدة. أمّا بالنسبة الى الأجانب المتورّطين الذين يتمّ توقيفهم، وخصوصا في المطار، فيتمّ التواصل مع سفارات بلدانهم بعد توقيفهم والتحقيق معهم وإحالتهم الى القضاء المختصّ وفقا للاتفاقات المعقودة مع دولهم".

أما المنافذ البحريّة فـ"قصّتها معقّدة أكثر، يضيف الحايك، إذ يتمّ التهريب عبر المستوعبات التي تنقلها سفن النقل الضخمة، ويصعب على مكتب مكافحة المخدّرات تفتيشها". ويشير الى ان المكتب تمكّن من ضبط كميّة كبيرة من "الكوكايين" منذ أيّام كانت مخبّأة في ألواح خشب آتية من أميركا الجنوبيّة".

وعن المنافذ البريّة، يقول الحايك "إنّ عمل مكتب مكافحة المخدّرات يقتصر على الحدود اللبنانيّة ـ السوريّة، حيث تنفَّذ عمليّات عدّة سواء من الجهة اللبنانيّة أم السوريّة. فمثلا، في 28 نيسان العام 2009، تمّ ضبط مليونا و140 ألف حبّة "كابتاغون" موضّبة في عمود حديد في شاحنة متّجهة الى السعوديّة، وكان سائقها ينوي استخدام الأراضي اللبنانيّة معبرا اليها". ويضيف: "إنّ لبنان لم يعد بلدا منتجا للمخدّرات، والتنسيق مع الجمارك السوريّة والأردنيّة والسعوديّة يتمّ على مدار الساعة لمكافحة تهريبها. ونهاية العام الماضي ضُبطت كميّة كبيرة منها في السعوديّة، وكان سائق الشاحنة لبنانيا متورّطا فيها، الأمر الذي مكّن الجهات الامنيّة اللبنانيّة – استنادا إلى معلومات الجانب السعودي – من توقيف عناصر العصابة في لبنان".

تجّار المخدرات

وعن تجّار المخدّرات، يقول الحايك أن "لا جهة سياسيّة تغطّيهم، لأن لا أحد يجرؤ على تلويث سمعته في أمر يرتبط بتجارة المخدّرات".

غير أنّ تجّار المخدّرات يجاهرون في عملهم اللاقانوني على شاشات التلفزة المحليّة والفضائيّة كنوح زعيتر (37 عاما) الذي يقطن بلدة الكنَيْسة البقاعية، والذي "لا يخشى أحدا سوى الله" على حدّ قوله لقناة "العربية"، وهو محاط بـ14 حارسا يرافقونه في تنقّلاته، ولا يزال خارج قبضة الدولة!

ويشدّد الحايك على"صعوبة تدخّل القوى الأمنيّة في مناطق كالبقاع، حيث يلجأ بعض تجّار المخدّرات كنوح زعيتر إلى اتخاذ الناس والعشائر درعا بشرية، ما يجعلنا نفكّر مليا قبل تنفيذ أيّ عمليّة دهم لتلك المناطق، وذلك حرصا على أرواح المواطنين". ويجزم بأن "لا تاجر مخدّرات في لبنان فوق القانون، ونحن لا نتهاون مع أحد في هذا الإطار، وكلّ دقيقة تمرّ يمكن أن تحمل إلى الشعب اللبناني خبرا سارّا يشير إلى توقيف تاجر مخدّرات أسهم في أذيّة كثير من الشباب". ويؤكّد أن "الدولة هي السلطة الوحيدة المنوطة بتطبيق القانون على الأراضي اللبنانيّة كلها. وفي البقاع، يتمّ التنسيق عادة مع الجيش اللبناني، وفي أثناء آخر عمليّتين تمّ توقيف تاجري المخدّرات ماهر طليس وعبده جعفر في بريتال ومحيطها.

وعن التعاون مع الأحزاب السياسيّة في البقاع لمكافحة المخدرات، يقول الحايك: "لا جهة لديها مشكلة في التنسيق في إطار مكافحة المخدّرات، إذ إنّ للأخيرة آثارا سلبية على الجميع، وهنالك دعوة علنيّة إلى التعاون مع الجميع". ويشير الى ان ليس هنالك اي تمييز بين الموقوفين، ويقول: "لا فارق في مخفر حبيش بين موقوف وآخر، وينتهي عملنا فور إحالة الموقوفين إلى سجن رومية أو غيره". أمّا بالنسبة الى التمييز بين المروّج والمتعاطي، فيشير الحايك إلى "أنّ هنالك عوامل عدّة تساعدنا على تبيان الفارق بينهما، إن لجهة طريقة توضيب البضاعة التي تضبط في حوزته، والتي تكون في حالة المروّج معدّة للبيع، أو لجهة المعلومات الأكيدة التي نحصل عليها من المخبرين أو في أثناء التحقيق مع الموقوف". ويضيف: "بالنسبة إلينا، مدمن المخدّرات هو مريض حتّى في وجود نصّ قانون يعاقبه. أمّا التاجر والمروّج فلا نتخاذل أبدا في تطبيق القانون بحذافيره عليهما".

مخدّرات عابرة "للحدود"

وفي حديث مفصّل عن أسباب الإتجار بالمخدّرات وما يتصّل بها من تداعيات سلبيّة على المجتمع اللبناني، كان لـ"الجمهوريّة" لقاء مع رئيس مكتب مكافحة المخدّرات العقيد عادل مشموشي الذي يعرّف آفّة المخدّرات بأنّها "عالميّة الطابع يعانيها المجتمع اللبناني كغيره من المجتمعات، وإن تباينت حدّتها بين بلد وآخر من حيث أعداد المدمنين أو المتعاطين كما من حيث أنواع المخدّرات".

وعن التصدّي لهذه الآفة، يؤكّد مشموشي "أنّ أيّ جهود مبذولة ينبغي أن تكون ضمن استراتيجيّة متكاملة تتمتّع بالشموليّة وتكامل الأدوار للجهات المعنيّة كلها على المستويين الدولي والمحلّي". ويصف ظاهرة الإتجار بالمخدّرات بـ"العابرة للحدود الوطنيّة"، مؤكدا أن المتورّطين فيها "يستفيدون من تطوّرات العولمة، وخصوصا لجهة المواصلات والاتصالات، ويستغلّون تنامي حركة التجارة العالميّة لتهريب المخدّرات".

ويكشف مشموشي تأكيدا على "زيبقة" المخدّرات، كما وصفها، أنّ قبل أيام من اندلاع أحداث الشغب في سجن رومية، "تمّ توقيف رجل دين في حوزته كميّة كبيرة من الحبوب المخدّرة مخبّأة في تلفاز كان عليه إيصاله إلى موقوفين إسلاميين من دون علمه بمحتواه". ويضيف: "إنّ أيّ استراتيجيّة لمكافحة المخدّرات لا تكون ناجعة، إلا إذا قامت على محورين: الأوّل يستهدف العرض، والثاني الطلب. على المحور الأوّل، يعمل مكتب مكافحة المخدّرات على حظر إنتاجها زراعة وتصنيعا". في هذا الشأن، يعقّب مشموشي موضحا: "حين كانت الظروف السياسيّة والأمنيّة مأزومة، لم نتوانَ عن تنفيذ مهماتنا على رغم وجود قوى الأمر الواقع التي كانت تغطّي إنتاج المخدّرات وخصوصا إبّان الحرب الأهليّة. وفي رأيي، يجب ألا يقتصر الحدّ من العرض على التدخّل القمعي فقط، بل على معالجة الأسباب أيضا، التي تدفع إلى زراعة المخدّرات وتوفير البدائل. أمّا بالنسبة إلى الحدّ من الطلب، فلا يمكن أيّ تدابير وإجراءات أن تسيطر عليه ما لم نعمل على تبيان الأسباب التي تدفع المتعاطين الى تناول المخدّرات والعمل على معالجتها. كلّنا يعلم أنّ الأسباب متعدّدة ومتنوّعة ومتداخلة، ويصعب حصرها، لكنّها في معظمها ترتبط بمشكلات اقتصاديّة واجتماعيّة، إضافة إلى الانحطاط الثقافي وبعض العوامل الشخصيّة". ويضيف "إنّ التداول غير المشروع للمخدّرات، أي لغير مقتضيات البحث العلمي والطبّي، هو كناية عن سلوك إنساني منحرف يضرّ بالمجتمعات والأفراد".

ويعزو مشموشي أسباب التداول غير المشروع إلى أمرين: "الكسب المادي غير المشروع والسريع، وتلبية بعض الشهوات غرائزيّة المنشأ". ويؤكّد "أنّ الضالعين في إنتاج المخدّرات زراعة أو تصنيعا أوإتجارا أو تهريبا أو ترويجا يسعون إلى تحقيق الأرباح، ولو على حساب أرواح الفئات المستهلكة وخصوصا الشباب".

ويضيف: "في حين أنّ متعاطي المخدّرات، وهم في معظمهم ينساقون إليها حبا بالتجربة أو هروبا من واقع معيّن أو للتخلّص من معاناة أو طلبا للّذة، يلاحقون سرابا ودوافع خاطئة، إذ إنّ تناول المخدّرات يؤدّي إلى مفاعيل عكسيّة وسلبيّة جدا على الفرد والمجتمع".

وحسب مشموشي، فإنّ أخطار المخدّرات "لا تقتصر على تلك المضار الصحيّة، وحتّى المعاناة الاجتماعيّة التي يعانيها المدمن وذووه، إنّما هنالك مضار اقتصاديّة واجتماعيّة وصحيّة، وقد تكون سياسيّة وإداريّة من حيث تفشّي ظاهرة الفساد نتيجة تعاون جماعات الإجرام المنظّم، بمن فيها تلك الجماعات الضالعة في الإتجار بالمخدّرات وتبييض الأموال بهدف تقويض هيبة الدولة والحدّ من قدرتها على الإمساك بالأمن، ما يساعد على تسهيل أعمالهم".

في هذا السياق، يشرح مشموشي واجبات القوى الأمنيّة المولجة مكافحة المخدّرات بأنها "تعنى بمعالجة الأسباب أوّلا، ثمّ تنتقل إلى علاج المتعاطين. وهذا الأمر يتطلّب آليّة متكاملة من التدابير تبدأ بالعلاج الطبّي في مراكز صحيّة متخصّصة بعلاج المتعاطين، لإزالة السموم من الجسد، وبالتالي الارتهان الجسدي للمخدّرات".

وهنالك ارتهان آخر أصعب من الجسدي، حسب مشموشي، يتمثّل بالتبعيّة النفسيّة للمادّة المخدّرة. "وهذا يتطلّب عناية اجتماعيّة ونفسيّة من خلال مساعدة المدمن وإعادة تأهيله اجتماعيا وعلميا ومهنيا إذا اقتضى الأمر، ومساعدته على التخلّص من الأسباب التي انزلقت به إلى مستنقع الإدمان". ويضيف "ينبغي ألا يسقط من بالنا الإرشاد والتوعية والعناية التخصصية اللازمة في كلّ الأماكن التي يوجد فيها المستهدفون وأهاليهم والمرشدون الاجتماعيون عبر إشراكهم في أنشطة متنوّعة وتفاعليّة". محلّيات
في ظل الانقسام السياسي الحاد وانشغال المسؤولين والقوى السياسية والاجتماعية في ملفي تأليف الحكومة الجديدة والمحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان، تجتاح المجتمع اللبناني ظاهرة خطيرة جدا تتمثل بتفاقم ظاهرة الإتجار بالمخدرات واستهلاكها المتنامي لدى الشباب اللبناني، الامر الذي ينذر بما هو أسوأ انطلاقا من تزايد حوادث إطلاق النار المتبادلة بين مروّجيها في عدد من المناطق، والمتعاطين أنفسهم، أو بينهم وبين الآخرين، مع ما يشكله ذلك من خطر على السلامة العامة.
 

آخر تحديث: 13 ديسمبر، 2014 1:35 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>