لحام وإمام: خدعٌ سينمائية

لطالما تساءلت، في طفولتي ومراهقتي الأولى: كيف يستطيع عادل إمام أو دريد لحّام أن يعيش كلّ منهما في ظلّ النظام الذي لا يكفّان عن انتقاده؟
كنت "أعتل" همّهما، وهمّ كلّ مبدع أراه مضطرا للعيش تحت سلطة "الكيتش" الذي ينتقده. وكنت أراني مهموما بكيفية تصريفهما أمور يومياتهما. إمام الذي ينتقد "الزعيم"، ولحّام الذي أذهلتني مسرحيته "كاسك يا وطن"، التي لم تترك خرما في الرداء السلطوي المخرّم، إلا وأمعنت في السخرية منه.
كان هذا الرجلان قامتين عملاقتين أشتمّ فيهما رائحة الأمل، من دون أن أدرك في العمق، لماذا. كان يعزّيني، باستمرار، أنّهما نافذين في مجتمعهما، وأحسب أنّ إبداعهما وشعبيتهما، كلّ في بلده، وفي بلاد العرب كلّها، هما ما يحميانهما. يحميانهما من شرّ باطش إذا بطش، ومن شرّ مخبر إذا غدر. وكان يطمئنني أنّهما ما زالا حيّين يرزقان، في الفنّ الذي أستهلكه مشاهدا، وأتذوّقه متفكّرا في ما يقدّمانه.
كنت أستمتع في "شاهد ما شافش حاجة"، المسرحية التي عرّت النظام القضائي والإجتماعي والسياسي حتى، بمصر، وأستمتع أكثر في المسلسلات التي قدّمها "غوّار" وصولا إلى "أبو الهنا"، وأقول في نفسي إنّ شعبا عربيا يتسيّد فنونهما البصرية والمسرحية رجلان مثلهما لا خوف عليه.
لكنّ ذلك لم يطل كثيرا. سرعان ما تكشّف كلّ ذلك عن "صعقة" حين بدأ "المشاهدون" يصنعون عملا فنيا أكثر جمالا من المسرحيات والأفلام والمسلسلات التي قدّماها. هؤلاء المشاهدون الذين كان لحّام وإمام يجهدان، أو يدّعيان، أنّهما يدفعانهم إلى التمرّد.
فبعدما سمعت عادل إمام يدافع عن النظام، في اتصال هاتفي بقناة "العربية" الفضائية، قبيل تنحّي الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، وبعد سماعي لحّام يفعل الأمر نفسه في دفاعه عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد، صعقت.
ربما أكثر ما آلمني هو اكتشافي كم كنت غبيا وأنا أحمل همّهما. وكم كنت ساذجا وأنا أظنّ أنّ الفنانين والمبدعين "يعيشون" في الحكايات التي يقدّمونها. تماما كما يظنّ أيّ طفل أنّ "كلارك كنت" يطير، وأنّ بابا نويل يدخل في مداخن الكوكب كلّها في ليلة واحدة، وأنّ "الأحلام بالناس تتحقّق"، كما تقول الأغنية الشهير في مسرحية "الزعيم".
لم يطل الأمر كثيرا حتى اكتشفت أنّ الرجلين كانا خدعة سينمائية سخيفة، ملأت سنوات من حياتي بالسذاجة، وملأت عشرات الملايين من المشاهدين بالأكاذيب.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:40 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>