الفتنة في مواجهة الفتنة!

لم يسبق ان وصلت حدة الخطاب المتوتر بين تيار المستقبل وحزب الله إلى ما هي عليه اليوم. حتى في أحداث 7 ايار 2008 لم نشهد هذه الحدة التي بدأت تبرز في البيانات والمواقف بين الطرفين. وقد نحا حزب الله في الايام الاخيرة الى التصويب المباشر على تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري، خصوصا بعد تنديد الاخير بالسياسة الايرانية في لبنان والعالم العربي. وشكلت الاتهامات السورية عن دور للحريري في الاحداث الجارية في سورية فرصة اضافية لحزب الله كي يقتص من تيار المستقبل. كما لم يوفر احد نواب حزب الله هذا التيار وحلفاءه من اتهام بالمسؤولية عن السعي الى إحداث فتنة مذهبية في الجنوب على خلفية التعدي على الاملاك العامة التي تشهدها بعض اقضية الجنوب بشكل غير مسبوق هذه الايام.

ويساهم عجز الاكثرية النيابية الجديدة، حتى الآن، عن تجاوز ازمة تشكيل حكومتها، في تسعير هذه المواجهة وملء الفراغ الحكومي بالفتنة المناسبة، ليزيد ذلك من ترسيخ مقولة الانقسام السني – الشيعي في البلد.

وذلك بعدما اظهر الرئيس المكلف نجيب ميقاتي حذرا من المبادرة الى تشكيل حكومة قد تجعله لدى بعض الدول وجمهور السنة في لبنان رئيسا لحكومة الغلبة الشيعية على السنة في لبنان.

هذا الانقسام يتخذ طابعا مذهبيا في ظل تناغم او تطابق في اللهجة وفي الخطاب بين السيد حسن نصرالله والرئيس نبيه بري ضد الرئيس الحريري، بعدما كان ثمة تمايز مقصود في السابق اتاح بقاء قنوات التواصل قائمة في اسوأ الظروف بين بري والحريري.

وانقطاع التواصل، الذي أكده معاون الرئيس بري النائب علي حسن خليل، تثبته مواقف الرجلين منذ مقدّمات استقالة الحكومة، وظهر أكثر في اندفاعة الرئيس الحريري ضد ماسماه التدخل الايراني، وتسليمه باتهام حزب الله بالتدخل في شؤون البحرين، ما دفع حزب الله، في المقابل، الى تبني الاتهامات السورية الاخيرة لتيار المستقبل بالتدخل في شؤونه الداخلية.

لبنان اليوم، وفي ظل الانقسام المذهبي، تتجلى ازمته في العجز عن تشكيل الحكومة، وفي تسعير المواجهة بين تيار المستقبل والثنائية الشيعية، وفي تردد الرئيس ميقاتي وتهيبه من القيام باي خطوة نحو التشكيل او الاعتذار. والى هذه المظاهر، يمكن تلمس كيف يتلقى لبنان صدى التحركات الجارية في سورية وفي البحرين وفي السعودية وسواها من تلك التي تشهدها الدول العربية منذ مطلع العام الحالي.

فلبنان يتحول الى متلق لأزمات انظمة هذه الدول. هكذا جرى استخدام لبنان في انتفاضة البحرين، من خلال استغلال التعاطف الذي عبر عنه حزب الله حيال هذه الانتفاضة لاختصار الانتفاضة على انها مجرد صدى لايران وحزب الله. وساهم الاخيران بدرجات متفاوتة بتبرير التهمة. وجاء الموقف الايراني الاخير من التحركات الجارية في سورية، واعتبارها مؤامرة ضد المقاومة، ليعزز من اتهام ايران بازدواجية المعايير لصالح حسابات سياسية مذهبية.

في المقابل تبدو القيادة السورية مأخوذة بمنطق رمي المسؤولية على الخارج، مسؤولية تبدو اقل كلفة لديها حين ترمى في اتجاه لبنان، فلبنان يبقى الحلقة الاضعف والاقل كلفة والمتنفس المتاح لمثل هذه الرسائل. اذ حاذرت دمشق من اتهام اي دولة عربية او غربية، واكتفت بالحديث الممجوج عن المؤامرة الخارجية، من دون النظر الى الاسباب الموضوعية التي يصعب تلافيها حين يسلم الجميع بأن النظام الامني، الذي يسيطر على النظام والدولة والحياة السياسية، لا بد ان يستتبع أشكالا متنوعة من الاعتراض الشعبي.

رمي الاتهامات باتجاه لبنان ليس الا محاولة اضافية لاظهار كلفة التغيير
في سورية. فإذا كان من الصعب تلمس البعد المذهبي او الطائفي للحراك الشعبي في سورية، ومن العناوين التي يحاذر النظام من استخدامها اليوم، فلماذا لا يكون لبنان صندوق البريد على هذا الصعيد؟

في سورية ثمة غلبة امنية وعسكرية في مقابل غلبة عددية في المجتمع طابعها سني. في لبنان ثمة توازن عددي، وتقارب في القوة والنفوذ يتيحان خطر الانفجار المذهبي. وهذا الخطر الذي تتلقفه بعض القيادات اللبنانية يشكل، على مايبدو، بديلا في اطار فكرة الهروب الى الامام، بديلا من تفجير الحرب ضد الكيان الصهيوني، التي كانت تدرج احيانا كسبيل لتلافي ما يجري في سورية، وقبل ذلك من قبل حزب الله لتلافي الفتنة المذهبية، على ما ذهب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في اكثر من خطاب له قبل سنوات.

بين ما يجري على ضفتي الخليج، وفي انحاء سورية، يبدو لبنان عرضة لمحاولات حثيثة لتفجير الفتنة بين السنّة والشيعة، فتنة يرجح ان تنفجر تحت شعار مواجهة الفتنة.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:39 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>