لماذا استعجل نصر الله إطلالته؟

كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في اطلالته، مساء السبت الماضي، واضحا في تصنيفه للقيادات اللبنانية التي مرّت بها وثائق ويكيليكس. فميّز بدقة متناهية وعبارات منتقاة من قاموسه الشخصي بين "اعداء المقاومة" و"حلفائه القدامى والجدد". فعفا عَمّن اراد له العفو، مثل رئيس حركة امل نبيه بري الذي شَملهُ بعبارات منمّقة وبسيطة، ورفض العفو عمّن "لا يمثلون مواقف قيادة الحركة", كما ميّز بين حليفه رئيس التيار الوطني الحر وبعض نوابه، باعتبار ان مواقفهم لم تقدم ولم تؤخر. وافرد موقعا للنائب – التائب العائد الى جانب سوريا والمقاومة وليد جنبلاط الذي اعتذر، قبل عَقده "الحِلف المُستجد"، عن مرحلة من تاريخه كان فيها "في لحظة تَخل"، وجرّم الباقي مِمّن لا يريد لهم لا العفو ولا تخفيف التهمة.

والملاحظ ان السيد نصر الله لم يهدد هذه المرة باللجوء الى القضاء اللبناني لمقاضاة من أساؤوا الى المقاومة، فيما أبدى استعداده للمثول امام "جهة قضائية" تحكم في قضية "لو كنت اعلم" إذا رأى البعض انه أخطا في ذلك، وفي اختطاف الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز 2006، لأنه لم يكن يدري انها سبب للحرب، وانه كان ينقص العدو الإسرائيلي تلك "العملية الذريعة".

وكان السيد نصر الله هادئا الى اقصى الحدود، في طلته التي امتدت اكثر من ساعة بقليل، الى درجة أوحى فيها، كما اعتقد البعض، انه تجاوب مع تمنيات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بالتهدئة ومعه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، اللذين لفتا الى اهمية الابتعاد عن كل ما لا يتفق عليه اللبنانيون او انه ليس من الثوابت، لو لم يرفع اصبعه مرة عندما توجّه مباشرة الى رئيس تيار المستقبل سعد الحريري في ردّه على كلامه عن ايران، قائلا بحِدّة "إنت شو خَصّك" وطالما انك رئيس حكومة تصريف الاعمال فلا يمكنك الكلام بهذا الشكل.

في الملف الأول المتصل بويكيليكس، يقول العارفون ان التوسّع في نشر تقارير هذا الموقع الفضائحي وبلوغها أهل "البيت الشيعي"، هي التي عَجّلت في ظهور السيد نصر الله لتطويق ردّات الفعل السلبية التي افرزتها "برقيات القيادات الشيعية" للمرة الثانية. ذلك ان الاتصالات التي جَرت في الخفاء المرة الفائتة، لم تتجاوز سلبيات ما نشر منها قبل اسبوعين داخل الطائفة، وخصوصا في "المناطق الخالصة للطرفين"، حيث لم يعد امام اي طرف منهما طرف ثالث "لفَشّة خلق". أضف الى ذلك، يقول العارفون في البيت الشيعي، ان من بين من نُشرت لهم تعليقاتهم وآراؤهم، شخصيات كانت تسعى في الفترة الأخيرة الى تكوين قوة شيعية ثالثة على أنقاض الخلافات بين ثنائي امل وحزب الله، وكان لا بد من ردة فعل لوأد هذه المشاريع في مهدها، وإعادة استقطاب الشارع الشيعي الى ثنائيته.

اما بالنسبة الى ما نشر من مواقف لقادة 14 آذار، فقد أصاب السيّد في التذكير بالتبرير الذي يقول انها لم تحمل اسرارا، طالما ان مضمونها بات تصريحات علنية على ألسنة قادتها. لكن المشكلة تكمن في أنّ التعاطي مع هؤلاء من الباب القضائي لم تعد ممكنة، طالما ان هذا الأمر يجب ان ينسحب على اهل البيت ايضا.

اما في الملف الثاني الخاص بساحل العاج، فقد تجاوز السيد نصر الله الكثير من الحقائق، ذلك ان مقاربته يجب ان تعود به الى الأصول التي تسببت به، لا من واقع ميداني آني يعجز عن تعديله أحد، الم يَكن الإيعاز الى سفير لبنان في شاطىء العاج للمشاركة في احتفالات تنصيب الرئيس الخاسر، ما يمكن ان يؤدي الى انتقام الرئيس الشرعي الآخر المعترف به دوليا وافريقيا ولبنانيا، قبل ان يصادق لبنان على القرارات الدولية التي تشرّع رئاسته؟. كذلك يجب التذكير بأن الملف في ساحل العاج لم يكن ملفا شيعيا فحسب، وإن كانت اسبابه كذلك، بل كان ملفا لبنانيا خالصا، طالما ان المتضررين هم لبنانيون من مختلف المذاهب اللبنانية، والمسيحيون منهم ليسوا بِقلّة.

أمّا في الملف الثالث المتمثّل بالمَوقف الأخير لرئيس حكومة تصريف الأعمال من إيران وموضوع سياسة المحاور، فقد قالت المصادر ان في موقف السيد نصر الله إشارة واضحة الى ان الأمر متصل بسياسة استقطاب اللبنانيين الى الخارج، فأغفل السيد نصر الله ان هذا الأمر فيه عود الى بدء، وفيه ما يثير الشكوك حول الطرف الخارجي الذي يتحكم بسياسة الحزب وتوجهاته في الخارج، وهنا يؤخذ عليه انه لم يبدل من سياسة التعاطي مع العالم العربي، وكان الأجدر به الاتعاظ من تجربة "خلية حزب الله" في مصر، وما تسببت به على مستوى العلاقات بين لبنان ومصر. وإذا كان لخلية حزب الله ما تفعله في سيناء دعما للانتفاضة الفلسطينية في غزة من دون التدخل في الشؤون المصرية، فأين هي غزة من الوضع في البحرين؟ وأين دور الحزب في التعاطي مع ملف كان يمكن ان يبقى في إطاره الداخلي البحريني كما هو منذ عقود من الزمن، قبل ان تتبنى ايران وبعدها حزب الله ملف ما سُمي "بشيعة البحرين"، فانتقل الملف من كونه ملفا داخليا بحرينيا ليتحوّل الى ملف صراع مذهبي شيعي – سني خطير، لم يلبث ان امتد الى داخل المملكة العربية السعودية بعد اليمن، فزرع الخوف من كانتونات شيعية في بحر سنيّ لا يحتمل مثل هذه الظواهر المرتبطة بإيران أو بغيرها.

وفي الملف الرابع المرتبط بالتهديد بطرد لبنانيين من البحرين، وما يُقال عن طرد لبنانيين من بعض دول الخليج، يدرك السيد نصر الله اكثر من غيره حساسية الموقف من هذا الملف، فالدول الخليجية التي لم تنجح الى اليوم في تجاوز مخاطر التوسّع الإيراني في المنطقة على انقاض ملفات جزر الإمارات العربية وما اليها من مخاطر الملف النووي، لا يمكنها ان تحتمل تشجيعا على الثورة وسعيا الى قلب الأنظمة فيها. فلقد كانت تجربة اليمن كافية ليتعلم العرب والخليجيون ما ينتظرهم، إذا ما استفاق "المارد الشيعي" كما يسمّونه في اليمن عند الإشارة الى الحوثيين، قبل ان تتطور الأمور اكثر على المستوى الشعبي، لا سيما بعد زرع الشقاق بين قبائلها، بسبب ما أحدثه "الحوثيون" من انتقاص لهيبة الدولة ورئيسها في اليمن.

أضف الى ذلك، فقد أحيت اشارة السيد نصر الله الى ان سوريا لم تنظر الى اللبنانيين نظرة دول الخليج اليهم، على رغم اتهامها باغتيال الرئيس الحريري سياسيا، فرأت في المقاربة أخطاء كبيرة، لأن آلاف اللبنانيين باتوا أسماء على لوائح منتشرة على الحدود البرية السورية يُحظّر عليهم دخولها او عبورها.

أمّا في ملف سجن رومية، فقد كان الملمّون به يرغبون عدم تناوله على انه ملف شيعي ومن باب اتهام حزب الله بالقيام به، الأمر الذي لم يحصل لو لم تكن ردات الفعل محصورة بهم. باعتبار ان هذا الملف اخطر مما يتصوره أحد، ولو لم يَجر التعامل معه على الأسس التي جَرَت، لكان مدخلا الى الفتنة المذهبية التي تحاشاها اللبنانيون خارج السجن، فكيف إذا وقعت في داخله؟.

وفي الملف الحكومي، آخر الملفات التي تناولها السيد نصر الله، يعترف العارفون انه تجاوز الكثير من الحقائق العميقة الممتدة في عقول من خطط لتغيير الأكثرية، بانقلاب كامل الأوصاف تمّ تلبيسه بالأصول الدستورية والديموقراطية، الأمر الذي لم يكن مطروحا، لو أن الأكثرية السابقة فرّطت بالمحكمة ودعت الى إلغاء القرار الطني ونسيت شهداءها وتجاوزت ما يعيق إحقاق الحق والعدالة. وعلى رغم السّعي الى جعله مَلفا داخليا بين سنة وشيعة، فإنّ له ما يبرره في شكل تعاطي الأكثرية الجديدة مع الرئيس المكلف والحكومة الجديدة وبيانها الوزاري، وهي امور كلها تعيق التشكيلة الحكومية، الى وقت لم يدركه او يقدّره انسان الى اليوم.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:30 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>