الإين-سين تنجد الاسد

تعكس نبرة الرئيس سعد الحريري، العالية ضد ما سماه التدخل الايراني في الدول العربية ولبنان تحديدا، التطور المستجد في العلاقات الخليجية الايرانية، اثر الاحتجاجات الشعبية داخل البحرين. وعبّر عن ذلك موقف مجلس التعاون الخليجي الداعم نظام البحرين وسلطته، الى جانب اعتبار التدخل الايراني في البحرين سبب الاحتجاجات هناك. ومهد ذلك أيضا لدخول قوات درع الجزيرة لقمع التحركات الشعبية، من دون ان تنهي الازمة المستمرة في هذا البلد.

اتخذت دول الخليج العربي مجتمعة هذا الموقف المتشدد من ايران في خطوة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العراقية – الايرانية في العام 1988، وقد استطاعت هذه الدول النفاذ من الاشكالية المذهبية والايرانية في البحرين لبلورة هذا الموقف. والأخير استدرج في المقابل مزيدا من المواقف الايرانية، في مجلس الخبراء ومن الرئيس محمود احمدي نجاد، وبعضها اعتبر ان ما جرى في البحرين استهداف ل"محبي اهل البيت"، كما ورد في بيان مجلس الخبراء الاخير.

ثمة ما يمكن ملاحظته في هذا السياق، وهوالاستخدام المذهبي في المواجهة بينهما. فإيران تفاعلت سياسيا واعلاميا مع ثورة البحرين بشكل مختلف عما يجري في ليبيا او اليمن، فضلا عن الاحتجاجات داخل سورية. وتلقفت دول الخليج العربي هذا الاهتمام الملتبس والدعم الايرانيين، لتنقض على حراك الاصلاح الذي كان بدأ يظهر في اكثر من دولة خليجية اثر ثورتي تونس ومصر، لتحوّر الصراع من عنوان الاصلاح السياسي الى مواجهة الاطماع الايرانية المتسللة عبر الاقليات الشيعية في دول الخليج. وبدت ايران غير آبهة في دخول مواجهة تثبت انها درع حماية الشيعة، كما توحي البيانات التي تصدر عنها.

ويمكن الاستنتاج ان ايران ارتبكت حيال التحولات الاصلاحية في مصر وتونس وغيرها من الدول العربية، اذ كانت تتلمس كيف ان التغيير لا يتم على اساس المعادلة التي تروج لها، اي ان الثورات هي قدر الدول الموالية لاميركا، كما أن "الممانعة" هي حصانة الانظمة المستبدة.

في المقابل وقعت السعودية في ارتباك مشابه، إذ تحسسّت هذه المخاطر على نظامها، وعلى حدودها، وحتى على وحدتها. فقد بدا التغيير، بالانظمة العربية وداخلها، غير مضمون النتائج في حساب المصالح، وإن المتعارضة بين ايران والسعودية.
من هنا يمكن فهم النجدة التي يتلقاها النظام في سورية من الرياض وطهران. فالسعودية تدرك ان سقوط النظام في سورية سيعطي دفعا لمطالب الاصلاح في الرياض وسواها من العواصم العربية. كما ان ايران تعلم ان اي تغيير في سورية سينعكس، في احسن الظروف، سلبا على موقعها في لبنان.

وفي العودة الى لبنان، فقبل ان يوجه الرئيس الحريري رسالته ضد ايران، كانت مؤسساته الاعلامية شديدة الالتزام بعدم توجيه اي نقد أو إساءة إلى سلوك النظام السوري اتجاه المحتجين من الشعب السوري، وكانت تنقل الأخبار بما يشبه الحياد.
تزامن ذلك مع اغلاق محطات تلفزيونية واعلامية سورية غير تابعة للنظام، وتهديد بعضها في دولة الامارات العربية، وبإيعاز من الرياض. فيما كانت النصائح الايرانية تقدم الى القيادة السورية، وبعضها انطوى على نقد، مفاده ان من الخطأ البدء بالاصلاح او الاعلان عنه قبل ضبط الاحتجاجات في الشارع. وتضمنت النصائح الايرانية استلهام تجربة السلطة الايرانية في قمع المعارضة الايرانية من دون ان تسقط نقطة دماء.

هذا ولا شك ان الرئيس الحريري، الذي يعتقد مناصروه انه اخرج من السلطة بقرار ايراني –سوري، يحاول من خلال التصويب السياسي المباشر ضد ايران، محاكاة الموقف السوري من "التدخل الايراني" في البحرين. وربما يتلمس الرئيس الحريري ان القيادة السورية في مرحلة اعادة حساباتها لمزيد من تأمين شروط الحماية حول نظامها. وبالتالي يعمد الى اعادة فرز الاوراق مجددا، بجعل العنوان الايراني في لبنان عنوانا خلافيا يجب ان يدرج على طاولة البحث، لا ان يكون خارجها في اي تسوية داخلية محتملة في لبنان.

والدعم السعودي – الايراني للنظام في سورية ينطوي على صراع حاد هدفه جذب سورية، كل في اتجاه، فيما ايقاع الاحتجاجات الشعبية الجريئة في سورية لم يهدأ بعد، ومحاولة اجهاض انتفاضة درعا واخواتها وطمسها تأتي من كل صوب، عربي وفارسي وغربي.

في هذا الوقت تبدو القيادة السورية المنهمكة بأوضاعها الداخلية غير راغبة في معاداة احد في الخارج، ما دام ذلك هو الموقف الذي يجنّبها المزيد من المخاض. لكن الحريري المدرك لهذه الحقيقة يعتقد ان الدعم العربي والدولي للنظام في سورية يجب ان ينعكس في لبنان توجها جديدا، لا تكون فيه ايران وحلفاؤها اللبنانيون المنتصرين فيه، كما كان الحال في مشهد اقالة حكومته الاخيرة.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:29 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>