شكراً فرنسا

مثل كثيرين من اللبنانيين غيره، خرج الحاج كامل شرّي بثياب النوم من أبيدجان، عاصمة ساحل العاج. بـ «البيجامة» خرج ووصل الى مطار رفيق الحريري الدولي. ومثله وصل كثيرون بلا حقائب ولا ثياب ولا أموال.175 مواطناً لبنانياً «هاربين» من جحيم ساحل العاج وصلوا في الطائرة الثانية التي تحط في بيروت حاملة معها لبنانيين اُنقذوا من «نار» الحرب الأهلية التي تستعر يوماً بعد يوم.
وسط أفواج الواصلين الى مطار بيروت، الذين كانت «الراي» في استقبالهم امس، يمكن التعرف الى الآتين من أبيدجان من دون كثير عناء. فهؤلاء اما يقبّلون الأرض، أو تزغرد لهم النسوة حين يطلّون، أو تدمع عيونهم حين يرون صديقاً أو قريباً أو حبيباً ينتظرهم. كما أنّ الحزن والكآبة تكون بادية على وجوههم، وغالبا ما تكون ثيابهم ليست مثل ثياب الذين يعودون من اغتراب أو عطلة أو رحلة عمل.
العائدون من أبيدجان لهم وجوه أخرى، وجوه مَن عانوا الأمريْن ليصلوا الى المطار، ومَن تركوا وراءهم أموالهم وبيوتهم وأرزاقهم، التي اما سُرقت أو تنتظر مَن يسرقها. هذا ما تقوله الشابة أودريه جبيلي، التي عاشت الأسابيع الأخيرة في «المخيم الفرنسي» بأبيدجان: «غادر نحو 400 من هؤلاء. وأنا قررت المغادرة حين قُطعت المياه بسبب أعمال التخريب المقصودة، ويبقى في المخيم نحو 400 من اللبنانيين». أودريه ليست فقيرة: «لكن لم أكن أملك ثمن التذكرة لأنّ العصابات سرقت أموالي ومنزلي وكل ما أملك».
حسين الساحلي كان يستقبل أودريه وزوجته التي كانت معها، وشقيقه ما زال محاصَراً هناك: «ما زال في منزله بمنطقة كوكودي، مع أولاده، ولا يستطيع الوصول الى المطار بسبب الأوضاع الأمنية الكارثية»، ويتابع: «ما زال لديه طعام قد يكفيه لأسبوع، ليس أكثر، وبعدها لا نعرف ما الذي يمكن أن يحصل».
لكن في المخيم، المحمي من القوات الفرنسية الموجودة في العاصمة العاجية، اختبأ نحو 800 لبناني محظوظ، قبل أن يقرر الفرنسيون عدم استقبال الأجانب بعد ذلك: «أكلنا في طابور واحد نحن والجنود الفرنسيون، ولم يفرّقوا بين لبناني وفرنسي»، يقول كمال ضاهر، العائد مع قريبه رياض ضاهر الذي يضيف: «وصل الأفارقة (هكذا يسمون أهل البلد ومرتزقة من جنسيات مختلفة يعيثون فسادا في الشوارع) الينا، وسرقوا كلّ شيء منا»، ويستدرك كمال: «في العام 2004 حصل الأمر نفسه، لكننا عدنا وعملنا7 سنوات بلا مضايقات»، علماً ان كمال ورياض يعملان في البلد منذ أكثر من 16 عاماً.
اللافت أنّ العائدين كلهم يشكرون الدولة الفرنسية والسفارة الفرنسية والجنود الفرنسيين: «أنا وأهلي وأصدقائي أنقذتنا الهوليكوبتر الفرنسية من على سطح المبنى الذي كنا نتحصن به في منطقة ماركوري، بعدما حاصرنا المرتزقة»، يقول حسن جابر، هو الذي قرّر المغادرة متأخرا، بعدما وصلت النيران الى منزله تماما: «يريدون منا المال واذا لم يجدوه يقتلوننا»، يقول بغضب، تاركا وراءه رزق 20 عاماً من العمل في ساحل العاج.
أما السيدة أمل عليان، التي جذبت دموعها كاميرات التلفزيونات فتتحدث عن مشهد آخر: «كان القتلى أمامنا وكان السارقون يجبروننا على تسليم كل ما نملك»، وتضيف بصوت مجبول بالدموع والبكاء: «تشرشحنا من بلد الى بلد، لكن نشكر السفارة الفرنسية على كل ما فعلته من أجلنا».
وعلى خلاف ما يعتقده كثيرون، من أن اللبنانيين في ساحل العاج هم من المسلمين فقط، والشيعة تحديداً، فانّ أكثر من 10 بالمئة منهم مسيحيون. جورج واحد من هؤلاء، وعاد مع زوجته نجاة: «خرجنا بلا ثياب، وبلا شيء، سرقوا كل شيء منا»، وتكمل زوجته: «لو كان هناك عمل لنا في هذا البلد لَما تبهدلنا في الخارج بهذا الشكل».
لم تقتصر عمليات الانقاذ الفرنسية على الطائرات: «ساعدتنا الدبابات الفرنسية ثم نقلنا في باصات من لومي الى أكرا، وبقينا على الطريق لأكثر من خمس ساعات، بحماية الفرنسيين، ثم نقلتنا الطائرة الى هنا»، يقول سليمان قعفراني.
العائدون لا يعتبون على الدولة: «ما الذي يمكن السفير أن يفعله، وفرنسا بامكاناتها وجيشها هناك لم تستطع انزال طائرة واحدة في المطار الرئيسي؟»، يقول كمال ضاهر.
في استقبال العائدين، كان هناك نواب يتسابقون على وسائل الاعلام لالقاء الخطب، وكان هناك مدير عام وزارة المغتربين هيثم جمعة الذي أعلن أنّه سينطلق فورا الى أبيدجان «مع زملائي السفراء، لاستكمال الاتصالات مع الفرنسيين والمسؤولين العاجيين وكل من يلزم لتأمين سلامة اللبنانيين، الذين لا يريدون العودة كلهم، وتأمين السفر لمن يريد العودة الى لبنان».
هكذا عاد 175 لبنانياً، معظمهم من النساء والأطفال والعجائز، وبعض الشبان والفتيات. عادوا شاكرين فرنسا، متفهّمين الضعف اللبناني، وعازمين، كلّهم بلا استثناء، على العودة الى تلك البلاد حالما تهدأ الأوضاع الأمنية. فأرزاقهم وبيوتهم هناك، وربما وطنهم الثاني، حيث «يخرب» الاستقرار مرة كل 7 او 10 سنوات، ويبقى ربما أكثر أمانا، اقتصاديا بالطبع، وأمنيا على الأرجح، من مخاطر العيش في لبنان الذي تركوه منذ عقود.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:27 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>