التغيير.. من سوريا إلى لبنان وبالعكس: بشــار الأســد والإصــلاح المـرجـأ..

 في بيروت، ومن خلالها، تمكن قراءة الأحداث الخطيرة المتوالية فصولاً في سوريا، سواء قبل خطاب الرئيس السوري بشار الأسد، أو خصوصاً بعده، ومن خلال خيبة الأمل المريرة التي أحدثها في نفوس مقدّريه وأنصاره، قبل خصومه ومعارضيه، فضلاً عن المهتمين والمتابعين والمراقبين المستقلين.

انعقد الإجماع على أن هذا الخطاب لم يكن يتناسب مع خطورة الوضع في سوريا وتداعياته المحتملة، في ظل الانتفاضات الشعبية التي تفجرت وتتفجر في أقطار المشرق والمغرب.. بل إنه أحدث رد فعل عكسياً، لا سيما أنه لم يتضمن ما توقعه السوريون من إعلان عن إصلاحات جذرية وفورية تلبي مطالبهم المعتقة، وهي سابقة على الاحتجاجات والتصرفات القمعية غير المسؤولة التي بدأت في درعا ثم توالت في مدن وجهات سورية أخرى.
وفي حين عم القلق اللبنانيين الذين كانوا يرون في قدرة النظام في سوريا على حفظ الاستقرار وإدامته عنصر اطمئنان إلى تمكنه من مساعدتهم على الخروج من مأزقهم السياسي بمختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية، فإن بعض القوى السياسية المعترضة على الدور السوري وتحالفاته اللبنانية رأت في ارتباك النظام في دمشق فرصة لا تعوض لكي تستعيد «دورها القيادي» كاشفة عن نسجها تحالفات غير معلنة مع بعض «قوى التغيير» في سوريا.
بمعزل عن دوامة الصراعات السياسية في لبنان، بآفاقها الانتهازية الضيقة، فإن أسئلة جدية حول أسباب تراجع القيادة السورية عن وعودها بالإصلاح ملأت الأفق، تاركة لكل طرف أن يفسرها حسب رغباته أو أغراضه.

ذلك أن الدكتور بشار الأسد كان قد نجح في تقديم نفسه على أنه شاب عصري يعرف ماذا يجري في العالم، ثم إنه حقق إنجازات، بعضها مفاجئ، في كسر دائرة الحصار الغربي على سوريا، وباشر بناء علاقات مميزة مع تركيا، بالذات، إضافة الى علاقات التحالف مع إيران، كما أسقط جدار العزل الذي كان قائماً مع أوروبا عموماً، وفتح كوة مع فرنسا، في حين أعاد تدعيم العلاقات مع روسيا وأوكرانيا والعديد من دول الاتحاد السوفياتي السابق، و«اقتحم» أميركا اللاتينية فأسس مع بعض دولها لعلاقات مفيدة، اقتصادياً وسياسياً.
لكن هذا النجاح في الخارج لم تواكبه القدرة على إصلاح النظام في الداخل، الذي كان الرئيس الأسد يصفه بأنه «نظام من خارج هذا العصر».
لفترة طويلة ظل السوريون ينتظرون أن ينجز رئيسهم وعوده بإصلاح النظام، فيرونه يتردد ثم يحجم. قال البعض: ربما استهول الكلفة لأن التغيير المنشود لا بد أن يصيب بعض ركائز النظام. وقال آخرون: إنه قد يعرف من أين يجب أن يبدأ، ولكن النظام هرم وقد لا يتحمل أثقال الإصلاح.
ولفترة طويلة ظل الرئيس بشار الأسد يلتقي بأهل الرأي فيسمع منهم انتقاداتهم ومطالبهم التي تفرض عليهم الأمانة الوطنية والحرص على نجاحه مصارحته بها.. وكان يوافقهم بل يزيد أحيانا. وكان يعترف بأن السنوات الأخيرة من عهد والده الرئيس الراحل حافظ الأسد شهدت تكلساً في مفاصل النظام وتسيباً في الإدارة وفساداً هائلا في مختلف مجالات النشاط الاجتماعي. وكان يقول إن الحزب بات تكية للعجزة والانتهازيين ولا أمل يرتجى من عودته إلى الوعي وإلى لعب دوره القيادي ولا بد من صيغة جديدة تسقط نهائياً مقولة «الحزب القائد».

بل إن الرئيس بشار الأسد كان يظهر تقديراً عالياً «لهذا الشعب الذي ضحى بهناءة عيشه من أجل أن يحمي صمود سوريا ودورها القيادي في المنطقة». وكان يستذكر أن السوريين قد هاجروا، بكثافة، إلى أربع رياح الأرض بحثاً عن فرص العمل، متحملين الظلم بل والإهانة أحيانا.. وأنهم بنوا مدنا لغيرهم، وبنوا مصانع لغيرهم. وأنه يتألم حين يرى بلاداً كثيرة كانت خلف سوريا تتقدم عليها. وأنه يحفظ للسوريين أنهم هاجروا ولكنهم ظلوا على إيمانهم ببلادهم، ويستشهد بمجموعات من الأطباء العاملين في أميركا والذين يجيئون سنوياً لمعالجة إخوتهم مجانا في مختلف المستشفيات داخل دمشق وفي سائر المدن السورية.
وكان الرئيس السوري يحب أن يستذكر، بفخر، أولئك الذين استشهدوا وهم يقومون بمهمات ذات طابع قومي، سواء من أجل فلسطين أو لبنان أو العراق، ويقول: هؤلاء أكدوا دور سوريا وحفظوا شرف هذا الدور.
كذلك فإنه كان يستفيض في الحديث عن وفاء السوريين لحافظ الأسد، لأنه قاتل إسرائيل، ووفر لهم الاستقرار بالداخل، بعد سنوات من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي حذفت سوريا عن الخريطة وحرمتها من أي دور مؤثر.
وفي أكثر من مناسبة، عبّر الرئيس بشار الأسد عن حق الشعب السوري في حياة كريمة تتناسب مع ما قدمه من تضحيات ومن جهود ومن عرق الجباه. كان يقول: لقد صبر السوريون طويلاً وعانوا الضيق والعوز أحيانا، من أجل حرية الوطن ومنعته وصموده أمام الضغوط الأجنبية ومحاولات الابتزاز الإسرائيلية.

ربما لهذا فوجئ السوريون، واللبنانيون، وأصدقاء سوريا في العالم، كما خصومها، بخلو خطاب الرئيس السوري من القرارات الجدية التي تؤكد العزم على إصلاح النظام جذريا. بل لعلهم فوجئوا بما تضمنه من إعادة الاعتبار إلى القيادة القطرية لحزب البعث والتأكيد على أنها مصدر القرار، مع أن الجميع يعرفون أنها «خارج الصورة» منذ زمن بعيد، وأن «الرئيس» كان يفكر بصيغ أخرى لا تلغي دور الحزب تماما بل تحدده بدقة، بما يجعله «رقيبا» على الحكومة وليس مصدر القرار.
كذلك فهم فوجئوا بتقديم الحكومة كضحية، وهي في أحسن الحالات ليست مصدر القرار.. ثم تعاظمت مفاجأتهم باختيار أحد الوزراء السابقين لتشكيل الحكومة الجديدة، وتداول أسماء مستهلكة كمرشحين لدخول الحكومة الجديدة، ليس ما يشفع لهم إلا أنهم من «حواضر البيت» في حين كان الوعد بتغيير جذري لإعادة الاعتبار إلى النظام جميعا وإلى تعهدات الرئيس التي سبقت خطابه.

ونعود إلى لبنان والصراع على السلطة فيه والذي يتخذ يوما بعد يوم أبعاداً دراماتيكية يختلط فيها الكاريكاتور بالنفاق السياسي باتخاذ المؤسسات الطائفية والمذهبية منابر سياسية.
من الطبيعي أن تفترض بعض القوى السياسية التي لا تشدها إلى سوريا وقيادتها علاقة ود أن فرصتها قد حانت للانقضاض على من تعتبرهم «حلفاء سوريا في لبنان» ممن ترى أن الاضطراب في سوريا يضعفهم ويحرجهم وقد يخرجهم من دائرة التأثير الحاسم على القرار.
ومن الطبيعي أن تتصلب قوى التحالف التي تمكنت من إسقاط حكومة الحريري، فتتمسك بأن تكون لها الأكثرية في «حكومتها»، خصوصاً وقد كلفتها الكثير.
بل إن هذا التحالف بات يرى، في ظل الاضطراب في سوريا، أن الحكومة أخطر من أن تترك للمترددين الذين باتوا من «المرجئة» فتحول ترددهم إلى موقف اعتراضي يستند أول ما يستند الى «الوقت»: لننتظر قليلاً حتى تتضح الصورة.
وفي تقدير «المعارضة الجديدة»، التي لما تخرج من الحكم تماماً، أن الانتفاضات العربية قد تلقت انتكاسة خطيرة عبر تعذر إسقاط القذافي في ليبيا، ومعه علي عبد الله صالح في اليمن، أقله في المدى المنظور، وأن الأنظمة العربية المحافظة التي كانت ترتعد خوفاً قد استعادت هدوءها وأنها تتقدم الآن إلى خط الهجوم… وهي تستدل على ذلك بإرسال السعودية ومعها إمارات الخليج قواتها لقمع الانتفاضة الشعبية في البحرين، بعد محاولة دمغها بالولاء لإيران، وطمس حقيقتها الوطنية وأصالة منبتها العربي.

ما زالت الأنظار مركزة على سوريا، خصوصاً أن المبادرة ما تزال في يد الرئيس بشار الأسد الذي يطالبه السوريون بأن يحقق ما كان العديد من مفكريهم ومثقفيهم وتجارهم ورجال الأعمال يسمعونه منه: الثورة على نظامه، عبر عملية إصلاح جذري تحتاجها سوريا جميعاً ويحتاجها رئيسها أولاً وقبل غيره من مواطنيه. 

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:13 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>