عورات التعب يوم الأحد

احتجاجات السجناء في سجن روميه للمطالبة باصلاحات معيشية وقضائية، وتردد صداها في بعض المناطق بين بيروت والبقاع، أظهرت جانبا من الترهل والفوضى وغياب المساءلة في شأن حقوقي وانساني. ذلك ان حال الاهمال والفساد الذي يتصل بادارة هذا الشأن هو أحد تجليات الفساد السياسي والاداري والقضائي الذي ينخر في جسد المؤسسات الدستورية والقانونية.
الحكم نفسه ينطبق على مشهد اعتصام اهالي بنت جبيل امام مستشفى بنت جبيل الحكومي امس احتجاجاً على وفاة الشاب حسان شرارة، الذي لم يستطع المستشفى المذكور استقباله بسبب عدم توفر الكادر الطبي فيه. وهو بات يمثل، بالنسبة إلى أهالي تلك المنطقة، نموذجا للفساد الذي يستشري في المؤسسات الطبية الرسمية، بعد تحولها الى محميات سياسية او طائفية. إذ يستمر مسؤولوها في تغليب المحسوبيات والتوظيفات النفعية على أبسط التقديمات الطبية في الحد المعقول. علما ان المستشفى جرى تجهيزه باحدث الاجهزة والتقنيات الطبية من قبل دولة قطر، التي حضر اميرها لافتتاحه شخصيا قبل اقل من عام.

وبين بنت جبيل ورومية، كان الداعون الى الغاء النظام الطائفي يتظاهرون في مدينة صيدا مكمّلين الحلقة الخامسة من مسلسل التحركات في الشارع. وهو تحرك لاقى بعض الاعتراضات بسبب احتجاجات بعض المتظاهرين على محاولة النائب قاسم هاشم مشاركتهم في التحرك. وبحسب بعض المنظّمين فإنّ النائب هاشم كان الوحيد بين اقرانه من النواب الذي يشارك في هذا التحرك، الى جانب انه ينتمي الى حزب سباسي وكتلة نيابية مشاركة منذ سنوات طويلة في النظام ومؤسساته الدستورية والقانونية، هذا إلى جانب انتمائه إلى حزب البعث السوري. ولذا طرده المتظاهرون الذين كانوا يريدون التأكيد على انهم ليسوا صدى للاستقطاب السياسي داخل النظام المشكو منه وسلطاته.
الرابط بين هذه المشاهد الثلاث أنّ لبنان، الذي ما يزال عاجزا عن تشكيل حكومته، ينكشف امام ابنائه ومحيطه باعتباره دولة تفتقد الحصانة حيال حجم الازمات التي باتت تتخذ اشكالا متنوعة، وتكتسب معنى جديدا يفرضه ايقاع الثورات والدعوات الاصلاحية التي تكتسح الدول العربية من المحيط الى الخليج.
إذ يشهد لبنان اليوم، في ظل انكفاء حال الانتشاء بالشعارات الرنانة والكبرى حول السيادة والاستقلال والمقاومة والسلاح، تراجعا ملحوظا وموازيا في كفاءة الخطاب المذهبي او الطائفي لدى السلطة السياسية حيال جمهورها، وعجزها عن تقديم الاجابة على اسئلة يومية تتصل بحياة المواطنين وحقوقهم الاولية.
فاللبنانيون يشهدون كيف يتمّ تجويف الدولة وتأليه السلطة. والمشكلات التي تعتور علاقة المواطن بالدولة تظهر المدى الذي وصلت اليه نزعة الاستخفاف بمصالح الدولة ومواطنيها لدى فئة الممسكين بزمام السلطة
وتغييب المحاسبة عن آليات عمل المؤسسات العامة، من خلال إرادة سياسية أو استحضار المحاسبة لأسباب كيدية ومزاجية، هو ما جعل قضية المهاجرين اللبنانيين في ابيدجان، على سبيل المثال لا الحصر، تدخل في لعبة تسجيل النقاط الداخلية بين هذا الفريق السياسي وذاك. وضاعت المسؤولية، لا بل راحت ضحية المزايدات والاستعراضات، في وقت يدفع اللبنانيون من رصيدهم الاغترابي دون ان يتحمل احد في السلطة او في مؤسسات الدولة المعنية اي مسؤولية. بل نكتشف ان غياب التنسيق بين المؤسسات المعنية هو الحقيقة المرة التي تجعل السياسة الخارجية للبنان عبارة عن محميات سياسية او طائفية تتحرك بحسب مصالحها.
فالدولة التي تعيش ازمة تردي معايير ثباتها وحضورها، تواجه سعيا منهجيا ومنظّما لجعلها طيّعة بيد هذا الفريق السياسي او ذاك، وجعل منهج التعامل بين الرؤساء والوزراء والنواب يقوم على ان اي خلل في السياسة الحكومية هو من مسؤولية الطرف الاخر.
هكذا اعتبر النائب نواف الموسوي ان ما يجري للبنانيين في ابيدجان تتحمل مسؤوليته حكومة تصريف الاعمال، من دون ان نعلم ان كان وزير الخارجية علي الشامي ينصت الى من عيّنه أو من يرأسه في الحكومة؟
وكذلك يتحول الفساد في مستشفى بنت جبيل الى قضية لا نعرف من يتحمل مسؤوليتها. كما هي مشاركة النائب قاسم هاشم في تظاهرة صيدا امس، التي لا نعرف هل كانت احتجاجا صادقا ومقنعا ضد النظام الطائفي وممارساته، في حين كان الأجدى بالنائب المتظاهر أن يسعى إلى كشف ملفات الفساد والمحاصصة التي يعرف انه مشارك فيها ومستفيد منها، وإن بمقعد نيابي فقط.
أمس كان الأحد، اليوم الذي يحاول اللبنانيون أن يرتاحوا خلاله من تعبهم، لكنّ أحداثه المتعبة كشفت عورات نظام ومجتمع ووطن مجبول من عورات، وكيفما نظرنا إلى مراياه المتواجهة سنرى عورات لا تنتهي.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:13 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>