الحكم الوراثي بين الحصانة والشعب

على إيقاع الثورات الشعبية المتنقلة في العالم العربي، بدت أنظمة الحكم في دول الخليج العربي، باستثناء البحرين، أقل إرباكا، من دون التأكيد أنها بمنأى عن تلقي وهجها، وشظاياها إن كان في سلطنة عُمان أو في السعودية.
تبرز إلى واجهة المشهد الخليجي أسئلة حول «نظام الحكم الوراثي»، حيث شكل تلويح الرئيس المصري السابق حسني مبارك بتوريث ابنه الحكم «الجمهوري»، عاملا مساعدا في وقود الثورة الشبابية في مصر، التي أطاحت به.
لكن هذا الطموح «غير الدستوري» لهؤلاء، والساعي إلى تقويض النظام الجمهوري البرلماني، الذي يستمد شرعيته من الشعب، تبدو مشروعيته الوراثية مثبتة في دساتيرها بوضوح، التي نصت على آلية انتقال الحكم بالوراثة، أي أن «السلطة فيها محتكرة من قبل أسر، هي وحدها صاحبة الحق النهائي في اتخاذ القرارات المهمة، وفي التصرف في ثروات المجتمع»، باستثناء الدستور الكويتي الذي يقيّد بعض الشيء سلطات الأسرة الحاكمة، حيث انه ينصّ في مادته السادسة من الباب الأول، على أن «نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبيّن بهذا الدستور».

إنما لا يعني هذا خروج الكويت من دائرة «التوريث»، فالمادة الرابعة من الباب الأول في الدستور الكويتي تنصّ على أن «الكويت إمارة وراثية في ذرية المغفور له مبارك الصبّاح». والأمر نفسه في النظام الأساسي السعودي الذي ينصّ في الفقرتين «أ» و«ب» من المادة الخامسة في الباب الثاني على أن «نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ملكي»، وأن «يكون الحكم في أبناء المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء». كما تنصّ المادة الثامنة من الدستور القطري على أن «حكم الدولة وراثي في عائلة آل ثاني في ذرية حمد بن خليفة بن حمد بن عبد الله بن جاسم من الذكور». وفي الإمارات ينصّ الدستور على أن السلطة العليا في الاتحاد هي للمجلس الأعلى الذي يضم حكّام الإمارات السبع». وينص الدستور البحريني في الباب الأول، المادة الأولى، ألف، على أن «حكم مملكة البحرين ملكي دستوري وراثي، وقد تمّ انتقاله من المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إلى ابنه الأكبر الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة». وفي عُمان تنصّ المادة الخامسة من الباب الأول من النظام الأساسي على أن «نظام الحكم سلطاني وراثي في الذكور من ذرية السيد تركي بن سعيد بن سلطان».

بحثا عن صيغة واضحة لمفهوم المواطنة
هذه الدساتير الخليجية، إذن، ووفق د. يوسف خليفة اليوسف في كتابه «مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية» الصادر حديثا عن مركز دراسات الوحدة العربية، «تقنن هذا التمييز للأسر الحاكمة، مع تغييب شبه كامل لبقية أبناء المجتمع عن ممارسة العملية السياسية التي هي حق أساسي لهم»، وتاليا فإن أي اصلاح في هذه البلدان، يتطلب البدء بمواد الدساتير، لايجاد صيغة، فيها تحديد واضح للمواطنة، يتساوى في ظلها الجميع، لا تمييز بينها، إلا على أساس الكفاءة والأمانة، وهما ركيزتان أساسيتان في بناء أية نهضة، بدلا من «مواطنة من الدرجة الأولى لأبناء الأسر الحاكمة، ومواطنة من الدرجة الثانية لبقية أبناء المجتمع».
ويمكن التأكيد، نتيجة للواقع الحالي، أنه برغم وجود مشاركات سياسية شعبية منذ بداية السبعينيات، إلا أنها ما زالت شكلية، «وتخضع لسقوف مختلفة تضعها الأسر الحاكمة، ما يجعل غالبية شعوب هذه البلدان، تعيش في ظل مواطنة منقوصة، تزداد أو تنقص تبعا لقرب المواطن أو بعده من أجندة الأسر الحاكمة».

وتجوز المقاربة هنا، للانتخابات البلدية التي أجرتها السعودية في العام 2005، للمرة الأولى منذ 40 عاما، وجاءت لنصف مقاعد المجالس، وعيّنت الدولة النصف الأخر في كل مجلس بلدي، فضلا عن عدم السماح للنساء بالإدلاء بأصواتهن أو الترشح لها، ولا تزال الحال على هذا المنوال.
وبرغم غياب شبه تام لسلطة هذه المجالس على أرض الواقع، نتيجة تقاطع عملها مع عمل إمارات المناطق والأمانات في المحافظات، فسّرها بعض المواكبين للشأن السعودي «تنازلا سياسيا للمملكة، منذ وصلت الاحتجاجات التي اجتاحت المنطقة إلى السعودية»، إضافة إلى محاولة الحكومة «تجنب موجة من الاضطرابات الشعبية التي أطاحت برئيسي مصر وتونس، وامتدت إلى البحرين واليمن وليبيا وسلطنة عمان». وذلك بعد إعلانها في وقت سابق عن مكافآت ومنح اجتماعية ضخمة بقيمة 93 مليار دولار، بهدف «تهدئة المواطنين». لكن الملاحظ، أن الحكومة «لم تقدم تنازلات سياسية، وبرز الاعتراف الوحيد بالانتقادات، فيما يبدو عبر إنشاء هيئة جديدة بميزانية كبيرة لمكافحة الفساد».

التناغم بين المؤسستين السياسية والدينية
في المقابل، يبدو لافتا التناغم التام بين المؤسستين السياسية والدينية في الخليج، خصوصا في السعودية، حيث سارعت هيئة كبار العلماء إلى إصدار بيان أيدت فيه تحذير وزارة الخارجية، وقالت فيه: «إن المظاهرات تنافي الشريعة الإسلامية»، واعتبرت أن توقيع عريضة المطالبة بالإصلاح «يخالف شرع الله». وغاب عن هؤلاء العلماء، أن خروج الإسلام إلى العلن، بدأ بمظاهرة قادها النبي محمد في مكة، في وجه أهل حكم ذلك الزمان.
وقد عزز دعم المؤسسة الدينية المطلق للمؤسسة السياسية الحاكمة، من تهميش مكونات المجتمع المدني التي تعتمد نهضة المجتمع واستقراره على نموها وتفاعلها. كما رسّخ بقاء السلطة والثروة في يد أسرة واحدة على أساس الوراثة، لا على أساس الجهد والكفاءة. وفوق هذا كله يتعارض هذا الدعم، مع الشورى الإسلامية وضوابطها، حيث يخالف نصوصا قرآنية واضحة، وممارسات نبوية، ونهج الخلفاء الراشدين.

وإذا كان تلويح المفكر المغربي محمد عابد الجابري، بأن النظام الوراثي هو نتيجة «طاعة غير مشروطة بالشورى، وهي أقرب إلى الطاعة الكسروية ـ نسبة إلى كسرى الفرس ـ«، يجوز التذكير هنا، أن أول من أسس لهذا النهج المخالف إسلاميا، هو مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان، الذي دفع بالحكم إلى ولده من بعده، كاسرا بذلك ركنا أساسيا سعى النبي والخلفاء الأربعة إلى ترسيخه، أي الحكم العادل «المشروط بالشورى»، والقادر على إدارة شؤون البلاد والعباد.

اختزال النظام القبلي في أسرة واحدة
لا يمكن اعتبار النظام الوراثي، نظاما قبليا، حيث انه، كما يقول اليوسف في كتابه: «يفتقد التوازن والمدافعة والتكافؤ التي يتصف بها النظام القبلي». فالنظام القبلي على بساطته، أقرب إلى النظام الديموقراطي المعاصر من حيث المدافعة، والمساءلة، والحفاظ على حقوق الأفراد الذين كان دورهم فاعلا، «فابن القبيلة يمارس دورا في قبيلته، وقبيلته تمارس دورا في تجمع القبائل، وعبر هذا التسلسل ليس هناك هيمنة لأحد، حتى وان تفاوتت موازين القوى بين القبائل، فالكل له صوت يقال، وحق يحفظ». أما النظم الحالية، فهي عبارة عن «اختزال للنظام القبلي في أسرة واحدة، اعتمدت في فترة ما على بقية الأسر والقبائل، ماليا وأمنيا، لتكوين امارتها. ومع ظهور النفط والوجود الأجنبي في المنطقة، تخلت هذه الأسر الحاكمة عن بقية القبائل ماليا وأمنيا. وهكذا أصبحت تستفرد بالثروة والقرار».

ويلحظ الباحث الخليجي علي خليفة الكواري أن هذا التحول يعود إلى «المعاهدات التي أبرمتها بريطانيا مع حكام المنطقة. كما يعود إلى الموارد التي توافرت للحكومات من دخل الجمارك أولا، والنفط في ما بعد. وقد أدت هذه التحولات إلى تراجع المشاركة السياسية، بشكل عام، عندما ضعفت مراكز القبائل والعائلات وقويت مراكز الحكّام والعائلات الحاكمة». مع الإشارة إلى أن محاولة منع انفتاح أبناء الخليج على المتغيرات في بقية أنحاء الوطن العربي، «كانت سياسة بريطانية متجذّرة تهدف إلى ابقاء هيمنة الدول الاستعمارية على هذه المنطقة»، وهي تهدف أيضا، إلى الحفاظ على «أنظمة الأسر الحاكمة، وعدم تشجيع شعوب المنطقة على مشاركة هذه الأسر في القرار السياسي».
إلا أن الشعوب الخليجية ظلت تعبر في أشكال مختلفة، عن رفضها للنظام الوراثي، وتنوعت طرق الاعتراض عليه عبر الكلمة المكتوبة (البيانات)، والمظاهرات، والمحاولات الانقلابية. مما يعني وجود ضرورة لأن تتجاوز هذه البلدان النظام الوراثي، وتبحث عن بديل منه، يتم التوافق عليه، حتى يحدث التغيير السلمي المنشود، أو تعود إلى مبدأ الشورى، الذي قاربه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، بقوله: «إن هذا الطراز السامي من الرياسة هو الطراز النبوي المحمدي لم يخلفه فيه حقا غير أبي بكر وعمر، ثم أخذ التناقص، وصارت الأمة تطلبه، وتبكيه من عهد عثمان إلى الآن، وسيدوم بكاؤها إلى يوم الدين إذا لم تنتبه لاستعاضته بطراز سياسي شوري، ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض أمم الغرب، تلك الأمم التي لربما يصح أن نقول إنها قد استفادت من الإسلام أكثر مما استفاده المسلمون».

الخروج من المثلث المفرغ
دول الخليج، تقع، «في مثلث مفرغ، أضلاعه هي النظم السياسية الوراثية التي تمتلك ثروة نفطية طائلة، وتفتقد الرقابة المجتمعية، وتعتمد على القوى الأجنبية»، وتاليا، فان الخروج من هذا المثلث، يتطلب وفق اليوسف، تصحيح مسار هذه البلدان، وذلك «باستبدال النظم الوراثية الحالية بنظم فيها حرية ومشاركة ومساءلة، واستبدال الاعتماد المفرط على النفط ببناء إنسان منتج، واستبدال الوجود الأجنبي بتكامل إقليمي، وتصالح مع المحيطين العربي والإسلامي».
فهل آن الأوان لإزالة تراكمات الاستبداد على أصول ثقافتنا، «حتى نؤسس صرح حياتنا المعاصرة على أرضية صلبة ومتينة، أم أننا سنرضخ لموجات التغريب التي تشهدها بلداننا، بحكم الضغوط الخارجية، ورضوخ حكومات الاستبداد لهذه الضغوط، وان بدرجات مختلفة؟».

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:12 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>