ثورة سرّية

 يستفيق اللبنانيون، اليوم، على حملة تغييرات جذرية، ستغيّر حالهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، في إطار ثورة سرّية، عكفت على التخطيط لتنفيذها منذ أكثر من ثلاث سنوات، مجموعة من الشبان مجهولي الهوية.

تشمل الخطة نقاطاً عدة، أبرزها القضاء على كل رموز الفساد في البلد، في مدّة أقصاها ثلاثة أيام متتالية، تتبعها دعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، ثم تشكيل حكومة تكنوقراط لا تمت إلى الأعراف الطائفية بصلة.
وتقضي الخطة السرّية بتوحيد أبناء الطوائف في ما بينهم، وإجراء مصالحات بين أهالي المناطق المتناحرة، يليها إعلان رسمي عن قطع العلاقات ببعض الدول، ليكون لبنان بلداً حراً ومستقلاً، يقرر مواطنوه مصالحهم وفقاً لمصلحة البلد العليا.

كان «مهندسو» الثورة السرّية، يتابعون عن كثب مجريات ثورات كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، مستفيدين من النقاط الإيجابية التي حققتها كما درسوا النقاط السلبية، فتجنبوا الوقوع في رمالها المتحرّكة.
وفيما كانوا يعدّون العدة، وبعد تحديد ساعة الصفر، أُعلن عن حملة لإسقاط النظام الطائفي، التي دعا إليها شباب الـ»فايسبوك»، في مشهد يستنسخ ما حصل في مصر. حينها، قرر المجهولون التريّث.
واكبوا، يوماً تلو الآخر، مجريات الحملة وما آلت إليه حتى الأمس، فقرروا استكمال خطّتهم السرّية على نحو تكتيكي، يضمن عدم اقتراف الأخطاء التي رافقت «حملات» إسقاط النظام الطائفي، مستفيدين من ردود الأفعال، الشعبية والسياسية.
لا ينكر هؤلاء أن خطتهم غير سلمية، إلا أنها أيضا، كما يقولون، غير دموية، بل هي «بين.. بين». يعرّفون عن أنفسهم بأنهم «مهندسون»: ثمة مبنى بات متصدعاً. مهمتهم هي إعادة ترميمه على أحسن وجه، ثم الانسحاب بهدوء.

تعرّفوا على بعضهم البعض قبل سنوات ثلاث. كانوا خمسة أشخاص، وصاروا، اليوم، تسعة. اختلفوا، في بادئ الأمر، على نقاط عدة، ثم صار واحدهم يفهم الآخر من الإشارة. هم متفقون على عدم الظهور إعلامياً.
يقولون إن خطّتهم السرّية ستعيد إلى المواطنين حقوقهم المسلوبة كلها، قبل أن يعودوا هم إلى ما كانوا عليه: منهم الموظف، ومنهم العامل، والفلاح، وبينهم من هو معطّل عن العمل.
يوضح أحدهم، وهو طالب في كلية الحقوق، أن الخطوة الأولى من خطتهم، كانت ترمي إلى «تمكين الشعب من خلال الثقافة والفن، الفكر والمعرفة، عبر الكتب والمسرح والسينما والأغنيات، وتعريفهم على حقوقهم». غير أن التجربة التي سبرت المجموعة أغوارها، باءت بالفشل: «تبيّن لنا أن المواطن المنظّم في جهة سياسية طائفية، أو محسوب عليها، لن يقتنع بأنه ثمة دولة يفترض أن تؤمن له كل حقوقه. ربما تسرّعنا في الحكم، لكننا لن ننتظر عقداً إضافياً من الزمن».
يستأذن زميله، بهدوء، ليلتقط الطرف الآخر من الحديث: «وبناء عليه، قررنا عكس الخطوات، فلجأنا إلى تنفيذ الشق الثاني من الخطة، وهو سرّي يُعرف في أوانه، مرجئين خطة التثقيف والتوعية إلى ما بعد الإطاحة برموز الفساد في البلد. ونتمنى، رغم إحكامنا عليها بدقة، أن لا تُعرقل».
تضمن الخطة، وفقاً لأعضاء المجموعة التسعة، نتائج ستغيّر واقع اللبنانيين: إنشاء مصانع في أكثر من منطقة، تجذب الأيدي العاملة، وتجهيز مزارع للفلاحين تضمن لهم بيع محاصيلهم، وتنفيذ إصلاحات واسعة في شركتي الكهرباء والمياه، وفي قطاعي البنى التحتية والاتصالات، وتفعيل الضمان الاجتماعي، وإنشاء صندوق يمنح «هدايا» مادية للمقبلين على الزواج (ثمة شروط تتعلق بالعمر، والوضع المعيشي)، وضمان توزيع عائدات الضرائب على القطاعات التي تخدم المواطن بصدق.

ويتوقع «المهندسون» أن تؤول الخطة، بعد عامين من تنفيذها، إلى خفض نسبة البطالة من ثلاثين في المئة إلى تسعة في المئة. ولا يخفي هؤلاء أنهم تعاونوا مع أكثر من مؤسسة اقتصادية، واستفادوا من خبراتها، لكن «من دون أن يشك أحد بمآربنا» كما يقول أحد الأعضاء مبتسماً.
يتحدث أفراد المجموعة بثقة ماكرة، تشي بأنه لا مفرّ من نجاح الخطة، بكل خطواتها. تقول فتاة عشرينية، وهي موظفة في شركة إحصاء وناشطة في المجموعة، إن الخطة «ترمي أيضاً إلى خفض رواتب النواب بنسبة خمسين في المئة، واعتماد قانون انتخابي على مبدأ النسبية خارج القيد الطائفي، واعتماد منهاج تعليمي جديد، يكفل تعليم التلميذ حقوقه وواجباته، من نظافة الشارع إلى حقه في الاقتراع اللاطائفي».
يرسم «المهندسون» صورة يرونها واضحة، في حال نجحت خطواتهم: بلد يحتكم شعبه إلى دولة عادلة، تؤمن له حقوقه كلها. بلد لا يكترث شعبه بتصريحات زعماء سياسيين، ولا يأبه بطائفة هذا أو ذاك. بلد لا يسمح مسؤولوه بأن يقتل أي مواطن نفسه بسبب عوزه. بلد لا يسمح لمسؤوليه أن يناموا وبطونهم ملآنة، فيما بطون المواطنين خاوية.

يستفيق اللبنانيون، اليوم، على كذبة الأول من نيسان.
لكل منهم كذبة، بمثابة حلم. والثورة السرّية، ليست إلا أكذوبة، يستدعي تحويلها إلى حقيقة أكثر من نيسان واحد. وربما تنام في أدراج النسيان.. إلى أكثر من عقد واحد، بروح خاوية.
 

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 7:10 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>