مغدوشة..ومهنة تقطير ماء الزهر

تتجدد كل عام رحلة قطاف زهر الليمون و”البوصفير” في بلدة “سيدة المنطرة” مغدوشة – قضاء صيدا، مع بدء فصل الربيع، إذ تفوح رائحته العطرة عن بعيد، لتعبق بالمنطقة إمتداداً لأشجاره التي تغطي المساحة الأكبر من البلدة، قبل أن يحوّل إلى “ماء مقطر” يُباع في الأسواق أو يصدر إلى الخارج، صناعة لبنانية رائجة.

تنتج بلدة مغدوشة ما بين 80 و100 طن من الزهر سنوياً، ويعتمد الكثير من عائلاتها على رعاية وقطاف موسم الزهر في معيشتهم وبعض المزارعين يقوم بـ”ضمان” أشجار “البوصفير” كل موسم، حيث يقوم وأفراد عائلته بقطافه توفيراً لليد العاملة التي تزيد الكلفة، إلى جانب السماد وأدوية مكافحة الأمراض، التي يُمكن أن تُصاب بها هذه الأشجار، وتعد الرياح الخمسينية أو الهواء الساخن “الشلوق”، العدو الأول لموسم زهر الليمون والبوصفير إذا ما هب عليه قبل اكتمال تفتحه.

القطاف والمعمل

تبدأ رحلة تقطير ماء الزهر من بساتين “الخلة” في البلدة، حيث يُقطف الزهر ويغربل وينقى، وينقل إلى مركز البيع التابع للتعاونية، يُفرز، ويقسم إلى كميات محددة 5 أو 10 كلغ، ويعرض للبيع، وما يبقى منه في نهاية اليوم ينقل إلى معمل التقطير الحديث لتصنيع وتسويق منتجات “زهر الليمون” و”الورد” في مغدوشة، الذي أنشأته “مؤسسة الحريري” بالتعاون مع “مؤسسة الإسكان التعاوني” بتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والكائن في منطقة المطيرية شرق البلدة، وتديره الجمعية التعاونية لزهر الليمون ومنتجات مغدوشة الزراعية، التي تشجع أبناء البلدة على عدم اقتلاع أشجارهم، وتشتري منهم زهر الليمون بأسعار جيدة، على قاعدة أن الهدف ليس الربح، بل تحسين الوضع الاقتصادي للمزارع.

داخل المعمل يهدر صوت الآلات، ترتفع داخلها درجة الحرارة إلى حد الغليان، يسكب زهر الليمون ليتحول في نهاية المطاف “ماء زهر” عبر 5 خطوط إنتاج قادرة على استيعاب 5 أطنان دفعة واحدة، وبقوة إنتاج تبلغ نحو 650 كلغ.

ويؤكد المشرفون على المعمل أن موسم الزهر هذا العام كان جيداً خلافاً للعام الماضي، حيث هبت عليه هواء الشلوق، وانتهى موسمه قبل أوانه، موضحين إننا بدأنا بإستقبال وشراء المحصول كما اعتدنا كل عام، لنقوم بدورنا إما ببيعه زهراً، أو بتقطيره ماء زهر في المعمل.

غير أن بعض أبناء مغدوشة، الذين ورثوا المهنة أباً عن جد، ما زالوا يُحافظوا على تقليدهم في التقطير يدوياً، حيث تحترف كثير من أمهات البلدة هذه المهنة، يعتمدن على كركة صغيرة تتسع من 5-8 كلغ من الزهر، كانوا في الماضي يشعلن الحطب تحتها، أما اليوم فيعمدن إلى وضعها على الغاز، بحيث يُوضع الزهر داخل الكركة ويُغمر بالماء، ثم يُقفل عليه بالقسم العلوي من الكركة الذي توضع فيه المياه الباردة، ويجري تطيين الوصلة بواسطة الرماد أو الطحين المجبول بالماء، منعاً للتبخر في اتجاه الخارج، ويُمكن تقوية النار في بداية النزل، وعندما تبدأ قطرات الماء تخرج من أنبوب متصل بـ الكركة، فمعنى ذلك أن الزهر بدأ يتحول إلى بخار، فماء، عندها ينبغي تخفيف النار إلى أقصى حدٍ، بحيث تنزل القطرات قطرة قطرة، على أن المطلوب الإنتباه بشكل دائم إلى تغيير الماء في القسم العلوي كلما فتر، واستبدال الماء البارد الذي يلعب الدور الأساسي في تحويل البخار الداخلي إلى ماء الزهر.

يبدأ عادة موسم قطاف زهر الليمون في الثلث الأول من شهر آذار، ويستمر حتى نهاية نيسان، بينما تتطلب عملية التقطير 6 ساعات، من الغلي إلى البخار، ولا فرق في حجم الكركة سواء كانت كبيرة أم صغيرة.

قالت إيناس حبيب (66 عاماً)، التي باشرت العمل منذ سنوات بعدما افتتحت محلاً صغيراً لبيع ماء الزهر في أول البلدة: عشقت المهنة وأصبحت أصنع كل ما يتعلق بالمنتوجات البيتية مثل: شراب الورد، بوصفير، التوت، النعنع، دبس الرمان، خل التفاح، خل العنب، مربيات التين، سفرجل، اللقطين، المكدوس، الكبيس، الصابون البلدي وزيت الزيتون، ولكن يبقى ماء الزهر الأفضل، لأن فيه نكهة خاصة، ومغدوشة رائدة في صناعته.

وأوضحت أن المهنة وراثية، وهي سهلة لا تحتاج إلا إلى خبرة ونظافة وانتباه، وكل كلغ واحد من زهر البوصفير يقطر قارورة واحدة من ماء الزهر، ثم تعبأ القطرات في قوارير متوسطة، ويُحكَم إغلاقها منعاً لتسرب الرائحة، ثم تعرض للبيع بمبلغ 15 ألف ليرة لبنانية.

وأكد نبيل شباب (39 عاماً)، الذي كان منهمكاً في جمع زهر الليمون من بستانه الواقع عند طرف البلدة، إن الخطوة الأولى في التقطير تبدأ بعملية قطاف زهر الليمون، ثم تنقيته من الشوائب وتنظيفه وفرزه، فنبيع منه بالكلغ، والذي يبقى نحوله إلى ماء زهر.

وأضاف: لقد ورثت هذه المهنة عن والدي، الذي بدوره ورثها عن جدي، وما زلت أحافظ عليها كتراث من أصالة البلدة، وفي ذات الوقت كمهنة أعتاش منها، وعادة أجمع في عملية التقطير بين الحديث الذي يخدم مهنتي، والقديم الذي أحافظ عليه كتراث، فالمهنة قبل كل شيء تحتاج إلى خبرة وصبر، ولا فرق بين المعدات الحديثة والقديمة، الأولى لا تؤثر على النوعية والجودة والثانية ما دامت <الكركة> جيدة ومن النوعية المضبوطة والنحاس أفضل بكثير من الرصاص، على أن الأهم يتمثل في نوعية حبة الزهر كلما كانت كبيرة وناضجة كلما كانت أفضل وأطيب.

وأشار شباب الى إنني أصنع أيضاً ماء الورد والمربيات، وخصوصاً <بوصفير> والعصير والصابون، وهناك موسم رجعي لزهر الليمون، نقوم بجمعه وتصنيعه بوصفير: مربى وعصيراً، ويلقى رواجاً، ونبيع القنينة منه بنحو 10 آلاف ليرة لبنانية، والباقي منه نصنعه صابوناً.

وأشارت ليلى إيليا، التي احترفت المهنة منذ (23 عاماً) لا أفكر بإعتزال المهنة فهي تراثية، ولو نظرنا إليها على أنها فقط لكسب قوت العيش لكنا تركناها منذ سنوات طويلة، فهي مهنة متعة لا يشعر بها إلا من يحترفها.

وأضافت: إن شهرة مغدوشة بصناعة ماء الزهر تشجع كل واحدة منا على احتراف تقطيره، لذلك لا نجد صعوبة في تسويق إنتاجنا، فما يميزنا عن الآخرين إننا نقطره على أصوله، والذي يشتري منا مرة لا بد وأن يعاود الكرة مرة أخرى، لا نغش ونكتفي بالربح القليل.

وتابعت: إن صناعة ماء الزهر مهنة موسمية، ننتظرها من عام إلى آخر، كي نجني قوت يومنا ومصروفنا، دون أن نحتاج أحداً، وهي في كل الأحوال تُقطر في المنزل، أي لا تحتاج الأم الانتقال إلى مكان عمل بعيد.

وتختم إيليا: إن استعمالات ماء الزهر كثيرة، فقد درجت العادة لدى اللبنانيين على إضافة قليل منه إلى الحلويات العربية لمنحها نكهة خاصة، ويلجأ كثيرون إلى اعتماد القهوة البيضاء بدلاً من القهوة التقليدية، وتُعَدّ بالماء الساخن وقليل من السكر وماء الزهر، فضلاً عن استخدامه في الطب المنزلي ولوجع البطن، تحديداً لدى الأطفال والكبار على حد سواء.

آخر تحديث: 31 يناير، 2018 10:15 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>