حكومة لبنانية لحماية سوريا!

لم يثن التهديد باصدار القرار 1559 من قبل مجلس الامن في صيف الـ2004، الرئيس السوري بشار الاسد عن المضي قدما في قرار التمديد لرئيس الجمهورية يومها، اميل لحود. فهل تتبع دمشق اليوم النهج نفسه عبر الدفع نحو تأليف حكومة لبنانية تنسجم بالكامل مع ايقاع السياسة السورية، انسجاما الى حد التطابق، يتطلبه عدوى الثورات العربية التي برزت مؤشراتها في مدينة درعا السورية وغيرها من المناطق؟
اذ أنّه رغم حال التململ والاعتراض لدى اللبنانيين من قرار التمديد للرئيس لحود، واعتراض المجتمع وتحذيره من هذه الخطوة، خاضت القيادة السورية معركة شرسة واختارت المواجهة آنذاك، ورفضت اي تدخل خارجي في هذا الشأن اللبناني الذي تعاملت معه على اساس انه تهديد لمصالحها الحيوية في لبنان، وتهديد للنظام في سورية.
ايقاع الاحداث في مدينة درعا يكشف عن مواجهة شرسة بين اجهزة الامن السورية وابناء المدينة، ويشير سقوط الضحايا من المدنيين الى ان السلطة السياسية فشلت حتى الآن في استيعاب التحرك الشعبي، ربما من خلال تلبية المطالب التي تفضي الى عودة الهدوء الى المدينة ومحيطها. وتظهر الوقائع المتداولة ان السلطة عاجزة عن استخدام أي وسيلة غير القمع لانهاء هذا الاعتراض الشعبي وتعبيراته السلمية.
ما يثير الانتباه والقلق هو الاتهامات المتبادلة التي تتردد عبر وسائل الاعلام، سواء من ربط النظام السوري واعلامه ما يجري بأنه تدخل مجموعات مندسة وبعضها مسلح، افتعلت المواجهة بين النظام والناس، او ما تتناقله جهات معارضة للنظام بأن مقاتلين من حزب الله ومن ايران هم من يقف وراء عمليات القمع الجارية في درعا. وفي الحالين يبدو ان ثمة من يدفع الى حرف الموضوع ودفعه في اتجاهين، واحد يصب في اعتبار ما يجري مؤامرة خارجية تستهدف سورية، وآخر يدرجه في سياق الصراع المذهبي. وفي الحالين يمكن للبعض ان يستنتج ان ايران وخصومها يتقاتلان في سورية!
ورغم الايحاءات التي تدل على تطور ايجابي في العلاقة السورية – السعودية، فان ذلك لا يعود بطبيعة الحال الى موقف سورية الداعم لدرع الجزيرة الذي قمع ثورة البحرين، بل لأن الرئيس الاسد يتحسس اكثر من سواه معنى ان تحكم الاكثرية في البحرين، لادراكه انه لن يكون في منأى عن تداعيات هذا التحول.
التطور الايجابي في العلاقات بين البلدين ومع المملكة الاردنية ايضا يفرضه التنسيق لاستيعاب ما يجري من ثورات عربية، وبالتالي محاولة التحصن حيالها، في وقت يؤكد عائدون من واشنطن ان ادارة الرئيس الأميركي باراك اوباما قد استحدثت "ادارة ازمة" متخصصة بمتابعة ما يجري من حراك شعبي في الشرق الاوسط،. "أدارة" لصيقة بالرئيس اوباما ترسم ايقاع مواقفه ومواقف وزيرة الخارجية مما يجري عربيا، ومن اولوياتها التفاعل مع مسار تغيير حتمي في العالم العربي، وهو تفاعل يهدف بطبيعة الحال الى ضمان حماية مصالحها في المنطقة.
احداث درعا وما تنطوي عليه من مخاوف مشروعة للنظام في سورية، تفرض على القيادة هناك مزيدا من الاهتمام بالشأن الداخلي، ومحاولة الحد من الخوض في صراعات اقليمية لا تتحملها في هذه المرحلة، رغم ما تقوله اسرائيل عن احتمال قيام الاسد بحرب معها لتجاوز الازمة الداخلية.
وفي هذا السياق ترجح مصادر دبلوماسية غربية متابعة ان "تعمد دمشق الى تعزيز موقعها داخل السلطة اللبنانية من خلال دعم حلفائها لتشكيل حكومة مضمونة الولاء لها. وهي لن تتساهل في شأن القبض على المفاصل الامنية والعسكرية من قبل ممثلين مخلصين في الحكومة العتيدة واجهزتها". وتعتقد هذه الاوساط ان "القيادة السعودية لن تقف عائقا في وجه هذا المسار، انطلاقا من ادراكها ان القيادة السورية بسبب التحديات الداخلية التي تواجهها، الى العلاقة الوثيقة بينها وبين ايران، لن تغامر في دخول معركة تصفية الحساب مع اطراف لبنانية داخلية". اذ ترجح هذه الاوساط "اقتناع سورية بأن تراجع الدور السعودي عربيا وفي لبنان تحديدا، سيحصد النظام في سورية آثاره السلبية قبل غيره".
وفي هذا السياق جاء موقف رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري وموقف كتلته النيابية قبل يومين، لجهة رفض ان يكون لبنان مصدرا لاثارة القلاقل في الدول العربية، ليس ادانة لموقف السيد حسن نصرالله مما جرى في البحرين فحسب، بل رسالة ايجابية لدمشق، ردا على ما اشيع عن تدخل بعض اطراف لبنانية قريبة من الحريري بأحداث درعا، ولطمأنة دمشق على هذا الصعيد.
إذا الحكومة اللبنانية قيد التشكل وهي اذ تعكس في تكوينها العام التقاطع الايراني – السوري، الا ان الوجهة الاقوى هي كون دمشق ستشكل حكومتها برئاسة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي لتكون حكومة سورية بالدرجة الاولى، ستترجم مصالح اقليمية وداخلية لسورية أولا.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 6:55 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>