آن أوان الورد في لبنان

في الوقت الصائب وليس الضائع، أعلن لبنان ان مواطنيه ليسو مجرد صدى لانقسامات مذهبية او طائفية، بل هم قادرون على تظهير مشهد حقيقي يؤكد ان في هذا البلد الصغير شعب واحد.
هذه هي الرسال الأهم في المسيرة الثالثة لاسقاط النظام الطائفي. مسيرة أطلقت صوتا لبنانيا لم يستطع احد ان يجيره لمحور من هنا أو دولة من هناك. انه ببساطة صوت وطني يتلقى صدى الثورات العربية بثقة وعزم، بالقدر نفسه الذي ينهل من خلاصات تجارب الانقسامات المريرة. صوت يعادي رموز النظام واركانه، المستقوين بالطائفية والمذهبية.

المشاركون في تظاهرة الامس لم يجمعهم حزب، ولم يستظلوا بطائفة او زعيم ملهم، بل جاؤوا مواطنين لا يزالون يؤمنون ان لبنان وطن، وان الدولة مشروع قابل للتحقق على قاعدة القانون والمساواة بين المواطنين. لا تجمعهم ايديولوجيا، ولا دين ولا منطقة واحدة، تنبع قوتهم من دواخلهم ومن تلمسهم فداحة الجرعة الطائفية التي كادت ان تجعل الكثير من اللبنانيين يفقدون الأمل بقيام الدولة الفعلية، بعدما زجتهم هذه الجرعة في محاولات خلاص واهم عبر حبل الطائفيات والمذهبيات.
فالاصطفاف اللبناني اليوم حكمته العصبية التي تجعل المشدود اليها يرى في شرّ طائفته خيرا، وفي اخيار الطوائف المقابلة شرا. انها العصبية التي تتيح قدرة هائلة على سوق الناس الى المهالك من دون قدرة على التمييز او التفكر، وتزين في عيون المشدودين اليها ان الغاء الآخر او تهميشه وتقويض المشتركات هو سبيل النجاة.

الدعوة لاسقاط النظام الطائفي طموح مشروع في لبنان. ورغم قوة النظام الطائفي، المحصن بقوى لا يستهان بها وبنظام يغذيها ويبرر وجودها، فان ذلك لا يقلل من اهمية وفاعلية الانخراط بعمل منهجي ودؤوب لتلمس طرق الخروج من بين براثنه. وهي مسؤولية يرتبها هذا التلقي الايجابي في الشارع لتحرك يدرك اهمية عدم الانجرار نحو فخ الانقسام السياسي وتجاذباته العبثية.

تكمن اهمية هذا التحرك والتعبير عنه في الشارع وعبر وسائل اعلامية شتى بأنه يساهم في اثارة نقاش جدي حول افكار وتطلعات فئات من الشباب اللبناني الساعي للتعبير عن ذاته، وايجاد حيّز لبناني مشترك ومستقل محكوم بضخ جرعة مدنية في شرايين النظام السياسي، بالحد الادنى. جرعة تعيد تصويب الحياة السياسية التي تدفع البلاد بشكل دوري نحو حروب اهلية، سببها الصراع بين الطوائف على المحاصصة في الدولة من جهة، والصراع ضمن الطوائف على زعامة الطائف وتمثيلها من جهة أخرى. وبين المشهدين وفي صلبهما تأمين شروط الجاذبية لتلقي تداعيات الصراعات الاقليمية المحيطة بلبنان.

شعار إسقاط النظام الطائفي يتلمس اصحابه اهمية الاختلاف فيما بينهم، وهم يدركون ان قوة هذا الشعار، وبالتالي تحققه، تتطلب التفافا شعبيا واسعا حوله. لذا تكمن مسؤولية المجموعات المنظمة له، النابعة من افراد ناشطين ومؤسسات في المجتمع المدني، في التقاط الحس العام والشعبي، عبر النجاح في ترجمة هذا النزوع اللبناني في سبيل الخروج من الانقسام، والذهاب إلى سلسلة عناوين جدية تتصل بالهدف وتظهر امكانية تحقيق انجازات في هذا الطريق الشاق.

ربما التركيز على مطلب اقرار النظام النسبي في قانون الانتخابات النيابية، ومن خارج القيد الطائفي، شعار يستحق ان يوضع في سلم الاولويات، ومطلب اقرار قانون اختياري للاحوال الشخصية اولوية في هذا المسار. وفي هذا السياق ثمة الكثير مما يمكن ان يدرج كمطالب مشروعة وملحة في حياة اللبنانيين وعيشهم الواحد. لكن التجارب في هذا السياق تخلص الى ان التفاعل بين الناشطين على هذا الصعيد والمجتمع يبقى الشرط الاساس لضمان نجاح تحرك له هذا الطابع المدني البعيد عن اثارة النعرات المذهبية او الطائفية.

ثمة فكرة تقول ان المسيحيين هم ضد اسقاط النظام الطائفي لأنه يؤسلم البلد، وثمة من يؤيد اسقاط النظام الطائفي لأنه يعتقد ان تفوقه الطائفي عدديا يتيح له حكم البلد: ثمة طريق لا بد من السير فيه لاثبات خطأ هذين التفسيرين. لا تكفي النوايا الطيبة، بل لا بد من اختراق جدران جرى تدعيمها بحروب شتى و بانقسام راسخ ومستمر اشبه ما يكون بلحس المبرد.
البعض يتخوّف أيضا من “أجندة” ما يحملها “محرّكو” هؤلاء. أجندة تبغي “حرف النقاش” في البلد من “السلاح” إلى “الطائفية”، كما درج أحد المراجع في السنوات العشرين الأخيرة، كلما سدّت في السياسة أمامه.
أمام هؤلاء الكثير ليثبتونه. ودرب النضال ما زال في بدايته. لكنّ المهمّ أنّ أوان الورد قد آن، في شوارع لبنان.

آخر تحديث: 6 سبتمبر، 2018 9:08 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>