قمع الجماهير ونتائجه

يتعين ألا يشكل استخدام الأنظمة السلطوية في دول مثل ليبيا واليمن وغيرهما السلاح ضد شعوبهم مفاجأة لنا لأن هذا أمر متوقع. لكن المفاجأة الحقيقية الأكبر هي نجاح الانتفاضات الجماهيرية في الإطاحة بزين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر بوقت قصير على الرغم من اعتقاد الكثيرين سابقاً أنهما من الزعماء الأقوياء المستحكمين بالسلطة.
كما لا تعني أي انتكاسة خلال الانتفاضات الراهنة أن آفاق الديموقراطية باتت قاتمة في الشرق الأوسط. فما علينا هنا سوى أن نلقي نظرة شاملة الى المنطقة لكي ندرك أن هذه الآفاق لم تكن يوماً أكثر إشراقاً مما هي عليه اليوم.
لكن ثمة مشكلة بالطبع في نظرة البعض الى المسألة فهؤلاء يركزون فقط على «الديموقراطية» وإسقاط الحكام الديكتاتوريين، ويتجاهلون بذلك هدفاً رئيسياً لثورة العرب. وهم بهذا يرتكبون نفس خطأ الرئيس جورج بوش عندما دعا للديموقراطية و«تغيير الأنظمة» في الشرق الأوسط، وعلى الأخص منها المناهضة للولايات المتحدة، ولم يكترث برغبات وتطلعات الشعوب العربية الى الحرية والعدالة.
فالعرب لا يتحدثون كثيراً حول الديموقراطية بل عن الحرية على الرغم من أن معناها لديهم يختلف تماماً عما عناه بوش بها.
إنهم يريدون الحرية من الفساد والمحاباة السياسية، ويسعون إليها من أجل إنهاء الاضطهاد وانهماك الحكومات في السيطرة على مقدرات الشعب واستغلاله.
بالطبع الديموقراطية هي من الوسائل التي يمكن أن تحقق الوصول لمثل هذه الأهداف، لكنها نادراً ما تبدو هدفاً بحد ذاتها بنظر هؤلاء الثوار. إذ بينما يشكل هدف تغيير النظام جزءاً مهماً من أهداف الثورة الجماهيرية، يتطلع جيل الشباب فيها لتغيير الأنظمة العربية كلها بكل أجهزتها وليس مجرد تغيير القادة السياسيين.
بداية

صحيح أن موجة الثورة التي انطلقت في ديسمبر كانت مفاجئة إلا أنها لم تكن غير متوقعة بالمطلق.. إذ كانت مؤشرات الاستياء واضحة أمام كل من يريد أن يرى بل وكانت تتطور منذ أكثر من عقد.
والواقع أن هذه العملية كانت قد بدأت في التسعينيات مع ظهور قنوات التلفزيون الفضائية، ولاسيما منها «الجزيرة». فقد كسرت هذه القنوات احتكار الأنظمة للمعلومات ثم تسارعت العملية أكثر مع ثورة الـ«إنترنت».
وبالإضافة للمشكلات التي أثارتها هذه القنوات أمام الأنظمة من خلال برامجها الحوارية المفتوحة، أفرزت المجتمعات العربية أيضاً جيلاً من الشباب المتطلع للأخذ بأساليب الحياة العصرية التي تعرف عليها من خلال التلفزيون، السفر أو الانترنت.
لكن في الوقت الذي كانت فيه تطلعات أبناء هذا الجيل أعلى بكثير مما سبقهم من أجيال في الماضي، كانت فرص عثورهم على وظائف بعد انتهاء الدراسة ضيئلة.
ومع تزايد تشبث النخب الحاكمة بجشع بالسلطة كانت الفجوة بين الحكام والمحكومين تزداد اتساعاً لاسيما أن أبناء وأعضاء تلك النخب كانوا يتمتعون بالمزايا ولا يهتمون بتطبيق القانون على أنفسهم.
وفي الوقت الذي كان فيه الشعور بالغضب والاستياء يزداد باستمرار، بقيت نوافذ التعبير محدودة جداً. ولم تكن أحزاب المعارضة «في حال السماح لها بالعمل» بأفضل حالاً من أحزاب الحكومة. ولما كانت بعض الأنظمة تسمح أحياناً بالتظاهرات في الشوارع، إلا أن المشاركين فيها سرعان ما كانوا يجدون أنفسهم بعد ذلك يدخلون بلعبة «القط والفأر» مع قوات الأمن كما في مصر.

انفجار

ويبدو أن الشعور بالامتعاض أفسح المجال فيما بعد أمام الإحساس باليأس من حدوث أي تغيير. لكن ما إن حل ديسمبر الماضي حتى جاء الانفجار وتغيرت الصورة على نحو دراماتيكي عندما دخل عنصران جديدان حلبة المواجهة تمثل الأول بالوعي بأن هناك فرصة، وتجسد الثاني بالإحساس بالقوة.
فقد أظهرت تونس أن التغيير ممكن إذا ما عمل عدد كاف من الناس معاً ونظموا أنفسهم.
بالطبع، هناك وسيلتان أمام الأنظمة للرد على هذا: إما القمع بقوة «كما في ليبيا» على الرغم من أن مثل هذا الأسلوب لا يؤدي إلا إلى تأخير يوم الحساب، وربما يجعل الأمر أسوأ بالنهاية أو عرض التنازلات «كما في المغرب، الأردن وعمان» مما يمكن أن يدفع الجماهير الى رفع سقف المطالب.
لذا، حتى لو نجح القذافي في قمع الثورة الليبية فإن هذا لن يشكل إلا مجرد انتكاسة مؤقتة للثورة العربية الأوسع مدى التي تدور معاركها الآن في أماكن عدة وعلى جبهات مختلفة بحيث يستحيل وقفها.
ويبدو أن العامل المهم هنا هو إحساس العرب بهويتهم المشتركة ووعيهم بما يحدث في البلدان المجاورة لهم مما يشجعهم على النهوض لمعالجة الأوضاع الفاسدة في كل بلد.
فمما لاشك فيه أن اعتقال أركان النظامين السابقين في تونس ومصر في اتهامات تتعلق بالفساد وغسيل الأموال والجريمة وفر للجماهير في بقية البلدان العربية الأمل ودفعها للنهوض.
إن الإطاحة بنظامين ديكتاتوريين بالشرق الأوسط في أقل من شهرين ليست إنجازاً عادياً بكافة المقاييس فقد هزت بشدة حتى أكثر الأنظمة السلطوية الأخرى التي تدعي أنها آمنة جداً. وإذا كانت الجماهير تواجه اليوم مقاومة من جانب أنظمتها الفاسدة، فإن هذا لا يعني أن ثورتها قد فشلت أو أنها سوف تضمحل بل يبين ان هذه الجماهير تتوقع الكثير بوقت قصير.
إن التغييرات التي تحتاجها البلدان العربية لا تتصل فقط بالجوانب السياسية بل وبالاجتماعية أيضاً وهذا ما يجعلها تستغرق وقتاً كي تتبلور على أرضع الواقع. بل وحتى في تونس ومصر سيستمر نضال الجماهير لفترة طويلة. ولن تتمكن الأنظمة القديمة بالمقابل من البقاء الى ما لا نهاية، ففي غضون سنوات قليلة من الآن سيكون أغلبها قد رحل أو تغير جذرياً.
تعريب نبيل زلف (الوطن)

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 6:19 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>