لا لأميركا

قاطع ائتلاف شباب ثورة مصر وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون خلال زيارتها الى القاهرة، وقرر شباب ثورة تونس تنظيم تظاهرة ضدها. والمرجح ان شباب ثورة ليبيا او اليمن او البحرين يمكن الا يكتفوا بالمقاطعة والتظاهر السلمي إذا ما قررت كلينتون توسيع جولتها الحالية لتشمل بلدانهم، التي تعيد اكتشاف نفسها وتسعى الى بناء أنظمتها على أسس جديدة، لن يكون لأميركا مكان مميز فيها.
القرار الشبابي المصري والتونسي جريء، وهو في حده الادنى ثورة ثانية، او خطوة متقدمة جدا بل حاسمة في سياق التغيير العربي الذي يحاول الاميركيون ركوب موجته من دون نجاح كبير، ويروجون لافكار غير مسندة بأي دليل عن انهم كانوا وراء اشتعال تلك الثورات الشعبية او هم على الاقل يدعمونها ويؤيدون أهدافها المعلنة في الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، ويعتبرون انها في النهاية تخدم المصالح الاميركية التي ساهمت في إنتاج أنظمة ليبرالية في مختلف انحاء العالم.
الموقف الشبابي المصري والتونسي الصادر عن جهات عفوية غير مسيسة وغير مسلحة بأي ايديولوجيات مناهضة لاميركا، يدحض هذه الدعاية الاميركية الخاوية، ويؤكد ان البلدين اللذين كسبا سباق التغيير في العالم العربي، هما بكل بساطة يؤسسان لوطنية مصرية وتونسية جديدة لا يمكن الا ان تفترق عن اميركا وأن تحدد في مراحل لاحقة مسافة طبيعية عن الاميركيين، الذين كانت ولا تزال تفصلهم عن الجمهور العربي عامة حقب طويلة من الصراع المباشر او على الاقل من انعدام الثقة والشك. والقضية الفلسطينية هي المعيار الاول، كما ان التحالف الاميركي مع أسوأ الدكتاتوريات العربية هو المعيار الاخير، والراهن.
لم ولن يغفر الرأي العام العربي لاميركا بسهولة ذلك التحالف الذي ابقى زين العابدين بن علي وحسني مبارك اكثر من ثلاثين سنة في السلطة، وما زال يبقي زملاءهما في الحكم مددا مشابهة. ويدرك الجمهور العربي بلا ريب ان الاميركيين لم يتخلوا عن بعض هؤلاء الحلفاء العرب وينصحوهم بالرحيل الا بعدما فاحت روائحهم الكريهة وتحولت زعامتهم الى فضيحة وخطر جدي على الامن القومي الاميركي، وعلى المصالح الاميركية التي لا تزال تحمي بقية الزعماء العرب من مصير بائس، وتحول دون سقوط معمر القذافي او علي عبد الله صالح، وتحول دون ادنى اصلاح ديموقراطي في البحرين والخليج عامة.
أهم ما في الثورتين المصرية والتونسية انهما تنظران الى المصالح الوطنية من منظار جديد مختلف عما كان سائدا في الحقبة الماضية. ويصح فيهما القول انهما كانتا موجهتين ضد الاميركيين الذين استباحوا البلدين، بقدر ما كانتا موجهتين ضد النظامين اللذين اشرفا على تلك الاستباحة. لا يعني ذلك ان الجيل الشاب في مصر وتونس اصبح شيوعيا او اسلاميا او هو يكتب نظرية ثورية جديدة تقتضي اعلان الكفاح المسلح ضد الامبريالية الاميركية، لكنه فقط يضع حدا للاميركيين وتدخلهم الفظ في الشؤون الداخلية للبلدين ويعري خداعهم الظاهر هذه الايام في ليبيا واليمن والبحرين وبقية الدول العربية التي لا تزال انظمتها صامدة.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 6:17 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>