تفويض المقاومة الدفاعي أصبـح عـرفـاً دسـتوريـاً

إن معرفة من يمتلك السيادة هي مسألة جوهرية، تفتح أمامنا الطريق لمعرفة الى من يعود حق المطالبة بها فعلياً، فالسيادة ليست خاصة من خواص رئاسة الدولة أو الحكومة، بل تعود بالدرجة الاولى والأخيرة الى الدولة ككيانٍ، أيّ مجموع المواطنين، وهم الشعب الذي تجمعه إرادة العيش المشترك. وأن الشعب هو من يسند السيادة الى السلطات الدستورية كما تقضي بذلك المبادئ الدستورية العالمية وكذلك الفقرة د من مقدمة الدستور اللبناني، التي تنص: «الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية». وبهذا النص يكون الدستور اللبناني قد ميَّز بين صاحب السيادة وبين من يمارس السيادة.
ومن المفيد تعريف السيادة، بأنها قدرة الدولة على ممارسة سلطاتها الداخلية والخارجية بشكلٍ مستقل. ومن خلال تعريف السيادة وصاحب السيادة، لا نرى وجود أي تناقض بين بسط سيادة الدولة والدفاع عن السيادة، فإذا لم يكن للقوى النظامية القدرة على الدفاع عن السيادة، هنا من واجب الشعب، صاحب السيادة الأصلي أن يتصدَّى لواجب الدفاع عن هذه السيادة، فإذا شكَّل لجاناً أو قوى ثورية أو مقاوِمة، تكون هذه القوى جزءاً من القوى الشرعية، بل تتغلَّب شرعية هذه القوى على شرعية من تخلَّى عن واجب الدفاع عن السيادة. (وأمثلتنا كثيرة: الحرس الوطني في السعودية الى جانب الجيش النظامي، الثوار العرب بمواجهة القوى النظامية – حركات المقاومة الفلسطينية التي تعمل إلى جانب قوى السلطة الوطنية الفلسطينية، الحرس الثوري إلى جانب الجيش الإيراني الخ..)
فهناك فارق بين ممارسة السيادة والدفاع عن السيادة، فممارسة السيادة محصورة حكماً بالسلطات الدستورية التي اختارها الشعب، أما الدفاع عن السيادة فهو من الواجبات الأكثر إلزاماً للدولة وهو منوط مبدئياً بالقوى العسكرية الرسمية. لكن إذا حالت معطيات واقعية أو ميدانية دون تدخل القوى العسكرية الرسمية فهل تبقى السيادة بمهب الاعتداءات أم تناط هذه المهمة بالشعب وقواه الحية؟.
إن هذا السؤال، الإجابة عنه بديهية، ومع ذلك نذكِّر بأن المقاومة في لبنان تكوَّنت في تاريخ قديم يعود إلى زمن تكوين دولة إسرائيل واغتصاب فلسطين، واستطاعت بالقبول والاحتضان الشعبي – على الأقل في مناطق المواجهة مع العدو الإسرائيلي- أن تتحوَّل بفعل الاحتكاك اليومي مع العدو الإسرائيلي إلى مقاومة ناجحة وفاعلة هزمت الإسرائيليين في كافة المواقع، فهذه المقاومة بما هي من ثقافة متأصلة في ضمير الشعب- على الأقل الأقضية المواجهة لإسرائيل والمعنية بهذه المقاومة لأنها الواقعة في نطاق الاعتداء الإسرائيلي- فلا يمكن بقرار أو بكلمة أن نلغيها، أو نقول لم نعد نريد المقاومة فتزول وتنحلّ تلقائياً. فهذه المقاومة التي بلغ عمرها عشرات الأعوام، يستحيل أن نلغيها بقرارٍ اتخذته فئة من اللبنانيين – يقطنون بعيداً عن خط المواجهة ولا يشعرون بخطر اسرائيلي داهم.
ومن الحجج التي ندلي بها، أن الحكومات اللبنانية حفظت لهذه المقاومة أدوارها، وفوَّضتها بالدفاع عن لبنان، تفويضا مستمرا أصبح مع استمراريته عرفاً دستورياً لا تستطيع أي حكومة أن تتنصل منه، أو تقرر بشحطة قلمٍ أن تلغي دور المقاومة، طالما أن هناك مجرد خشية من عدوان إسرائيلي محتمل على لبنان.
فالحكومات المتعاقبة أشارت في بياناتها إلى المقاومة، والمجالس النيابية منحت هذه الحكومات الثقة على أساس هذه البيانات الوزارية، ما يعني أن السلطتين التشريعية والتنفيذية في لبنان، هما من حمى خيار المقاومة، والجملة الأكثر استخداماً في هذه البيانات: «ان لبنان وأكثر من أي وقت مضى متمسك بالشرائع والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن استقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها بكل الوسائل المتاحة لها، بما فيها الحق المشروع في المقاومة حتى تحرير كامل الأرض». وهذا الدعم الرسمي للمقاومة تجلى في كلام الشهيد رفيق الحريري في الصفحة الأخيرة من كتابه الحكم والمسؤولية: «… في الوقت الذي نجد أن موضوع المقاومة هو واحدة من أقوى الاوراق في يد لبنان والتي يجب أن تبقى في أعلى درجات الاهتمام الوطني والدبلوماسي، فان التعامل معها ينبغي أن يكون على صورة ما تعاملت به الأمم الراقية في حالات مماثلة، ودائمًا من النقطة التي تعزز موقع لبنان وسوريا في عملية التسوية». فالرئيس الشهيد رفيق الحريري يرى أن للمقاومة دورا حتى تاريخ انجاز التسوية الشاملة مع العدو الإسرائيلي.
وفي العام 2008 أصبحت المقاومة جزءاً من التشريع اللبناني لا حاجة لإدراجها في بيانٍ وزاريٍ، إذ انضمَّ لبنان إلى الميثاق العربي لحقوق الإنسان بموجب القانون رقم 1 تاريخ 5/9/2008: الذي نصَّ في الفقرة 4 من المادة 2: «لكافة الشعوب الحق في مقاومة الاحتلال الاجنبي». وبهذا النص في التشريع اللبناني الجديد، فإن المقاومة ليست من اختصاص القوى النظامية بل هي واجب وصلاحية الشعب.
استناداً إلى هذه المعطيات، فإن المقاومة وإن لم تندرج ضمن فئة القوات المسلحة الرسمية، فإنها حكماً من القوى الشرعية. بخاصةٍ وأن نشأة المقاومة نتيجة لتقاعس القوى الرسمية عن الدفاع عن السيادة، وحول هذه النقطة تقول د. أحلام بيضون في كتابها إشكالية السيادة والدولة ص 126: «أما الجيش اللبناني، فلم يظهر من ناحيته أيّاً من مظاهر الدفاع عن الشعب أو الأرض بمواجهة العدوان بل انتهج منهج المتفرِّج على الانتهاكات المتلاحقة ما بين عامي 1968 و1975، يومها فسَّرت الحكومة اللبنانية حياد الجيش اللبناني أنه ذو مدى استراتيجي ينحصر في عدم الوقوع بالفخِّ الإسرائيلي والانجرار إلى معارك مع الإسرائيليين تكون مبرراً لسيطرتهم على مياه الجنوب».
انقسم بعد ذلك الجيش اللبناني ولم يتصدَّ للاعتداءات الكبرى التي واجهت لبنان مما دفع بالمواطنين اللبنانيين ولا سيما أبناء الجنوب ليتجنَّدوا في صفوف المقاومة للدفاع عن أرواحهم وكرامتهم. واليوم فإن الجيش اللبناني إذ يدرك أهمية وشرعية المقاومة في الدفاع عن الوطن بمواجهة الكيان الإسرائيلي، فإننا نشهد تنسيقاً كاملاً بين الجيش والمقاومة للدفاع عن الوطن، وقد ابتدأ هذا التلاحم منذ تولي العماد إميل لحود قيادة الجيش وبقي مستمراً في ظل قيادة ميشال سليمان، ثمَّ العماد جان قهوجي حاليا.
إن المشكلة لا تكمن في القوى العسكرية، بل في السلطة السياسية الماسكة بالقرار، فالخوف يكمن من هذه السلطة المشكوك في شجاعتها لاتخاذ قرار التصدي للعدو الإسرائيلي ومنع اعتداءاته على لبنان، والتجارب التاريخية مع هذه السلطة غير محفِّزة على الإطلاق. ولهذا لا يمكن إرضاءً لفئةٍ مهما كانت دوافع شعاراتها، أن نسلِّم لبنان إلى العدو الإسرائيلي المعهود بالغدر والانتقام ونكث العهود، أما التلطي وراء حوادث فردية لاستهداف المقاومة والمطالبة بتجريدها من سلاحها، فإن الأولى بهذه الحوادث أن تدفعنا إلى محاسبة من ركَّب المؤامرة على المقاومة وزجَّها في هكذا مواقف وحاول حرفها عن غايتها. فالمقاومة بما مثَّلته من دفاع عن السيادة اللبنانية هي قدس أقداس هذا الوطن ومن يمس بها هو كمن يمسَّ بالجيش اللبناني وبقية القوى النظامية.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 6:07 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>