فكرة لبنان مركزاً عالمياً لحوار الحضارات

إعلان لبنان، برعاية الامم المتحدة مركزا عالميا لحوار الحضارات فكرة أطلقها السفير فؤاد الترك، بالتشاور مع مفكرين وسياسيين لبنانيين منذ مدة ثم طرحها رئيس الجمهورية ميشال سليمان على غير منبر عالمي، وعرضها وزير الثقافة في حكومة تصريف الاعمال سليم ورده على وزراء الثقافة العرب، وفاتح المديرة العامة للاونيسكو ايرينا بوكوفا فيها. فما هي مرتكزات هذه الفكرة؟ وهل هناك من مؤشرات دولية لتلقفها؟ وما هي المساعي الرسمية في اتجاه دفع هذا الاقتراح نحو التحقيق؟
قد يكون مشروع جعل لبنان نموذجا لحوار الحضارات، باستصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعتمد هذا البلد مقرا لحوار الاديان والحضارات والثقافات، مشروعا طموحا يحتاج الى أسباب موجبة مقنعة، وتسويق عالمي يمكنه من أن يصبح واقعا. أطلقت الفكرة قبل سنتين ونصف السنة، يقول السفير الترك: "وقد أجريت اتصالات عدة من السياسيين في هذا الشأن كان صداها ايجابيا جدا. وأنا اعتبر أن الترجمة العملية لكلمات البابا يوحنا بولس الثاني "أن لبنان اكثر من بلد، انه رسالة" لا يكون إلا عبر اعلان الامم المتحدة لبنان مركزا لحوار الحضارات. فما هي مسوغات هذا المشروع في رأيه؟

بلورة الدور

عند الترك ان لبنان، منذ الاستقلال الى اليوم، يعيش على التسويات وليس على الحل. ونحن نحتاج الى الحل. والحل هو في بلورة دور لهذا البلد، دور يرتكز على قيمة لبنان. وفي رأيه، لكي تكون هناك قيمة وموقع للبنان يجب أن يكون هناك دور في المجتمع الدولي وفي هذا العالم، وإلا تراجع سبب وجوده واستمراره. فلبنان بتنوعه مؤهل لان يكون مقرا نموذجيا لحوار الحضارات والثقافات والأديان. أما لماذا؟ لانه قبل عقدين من الزمن بدأ الكلام بقوة عما أسماه البعض "صراع الاديان والحضارات والثقافات" وأسماه البعض الآخر "الحوار" في ما بينها.

البعد العالمي للحوار

اليوم بدأت مسألة حوار الحضارات والاديان تأخذ بعدا عالميا واهتماما كبيرا على مستويات عدة. يقول الترك انه في أروقة الامم المتحدة نتحدث عن الحوار بين الاديان والثقافات والحضارات والأتنيات. العديد من المؤتمرات واللقاءات الدولية تعقد تحت هذا العنوان الكبير. رئيس الحكومة البريطانية السابق طوني بلير أنشأ مؤسسة للحوار، رئيس فرنسا السابق جاك شيراك كذلك، الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي أنشا مؤسسة متعددة الجنسية لهذا الهدف. في شهر أيار 2008 زار الملك عبدالله بن عبد العزيز البابا بينيديكتوس السادس عشر، وكان العنوان الابرز لهذا اللقاء الحوار بين الاديان، وبعده عقد مؤتمر حوار الاديان في نيويورك على مستوى القمة. في شهر آب 2008 عقد مؤتمر للحوار في اسبانيا، حضره الملك عبدالله والملك خوان كارلوس للهدف نفسه. والحوار بدأ يأخذ أهمية واهتماما كبيرين بعد مأساة الزلزال التي وقعت في نيويورك في 11 ايلول 2001، مع التذكير ايضا بأن موضوع الحوار بات يتناول ليس فقط العلاقات بين الاديان بل ايضا بين الطوائف المتعددة ضمن الدين الواحد.
قبل سنوات أطلق البابا يوحنا بولس الثاني كلمته التاريخية "لبنان أكثر من وطن، انه رسالة" فأحدث كلامه صدى في لبنان وخارجه، وأنعش قلوب اللبنانيين وعقولهم، وما زالت ارتداداته قائمة حتى اليوم". ونذكر في هذا الصدد ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان اطلق هذه الفكرة في خطابه امام الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتيها العاديتين العام 2008 والعام 2009، وفي مؤتمر القمة الفرنكوفونية في كندا، وفي اطلالات اخرى عديدة.

التحضير والتسويق

ويعتبر الترك ان المشروع الذي هو في صدده يقوم على السعي لاصدار قرار من الجمعية العامة للامم المتحدة باعتماد لبنان مقراً لحوار الأديان والحضارات والثقافات والاتنيات، يجعل منه نموذجاً للانسانية جمعاء في الحياة المشتركة وفي التفهم والتفاهم، وفي الانفتاح على الآخر، والاعتراف بالآخر… ويتابع انه من الطبيعي ان مثل هذا المشروع، اذا أتيح له أن يرى النور، لا بد من ان يستتبعه مبنى في لبنان، ونظام وآلية عمل وباحثون وجهاز اداري وأخصائيون، كما هي حال سائر منظمات المنظومة الدولية.

ويقول السفير الترك انه لا يمكن ان يكون للبنان دور تحت الشمس، الا عبر امرين: الاول ان يكون له ابداع، والثاني ان يكون له دور، والادوار الصغيرة لا احد يشعر بها، لذلك نحن نحتاج الى حصانة دولية ومعنوية لهذا الدور الرسالة. اما عن الخطوات العملية لتصبح الفكرة مشروعاً، فتبدأ بقرار يصدر عن مجلس الوزراء، يعرض بعدها على الجمعية العامة للامم المتحدة، ولكن ليست هذه هي اللحظة المناسبة. المشروع يحتاج الى تحضير وتسويق.

المسعى الرسمي

اما هل هناك من مسعى رسمي لبلورة هذه الفكرة؟ يقول وزير الثقافة في حكومة تصريف الاعمال سليم وردة ان جعل لبنان مركزا لحوار الحضارات كان طرحها رئيس الجمهورية ميشال سليمان خلال كلمة له في الامم المتحدة عام 2008 و2009. ومن بعدها تمكنت في مناسبات عدة ان اقترحها في نطاقات اقليمية ودولية، كان اولها في اجتماع وزراء الثقافة العرب، حيث اقترحت هذه الفكرة في شكل رسمي لاعتماد لبنان كمركز لحوار الثقافات، وقد تم التصويت والموافقة عليها، وابلغت الرئيس سليمان بهذا الامر.
وثانيا في اثناء زيارة المديرة العامة لمنظمة الاونيسكو ايرينا بوكوفا لبنان التي تناولت الاصرار على امرين: اولا، اعادة تفعيل ودفع المركز الدولي لعلوم الانسان في جبيل، واعادة تشكيل مجلس ادارة له واعطائه الدفع اللازم. وثانيا العمل على اقرار لبنان مركزا للحوار. ويتابع وردة: "ان زيارة السيدة بوكوفا كانت ناجحة، وتلقيت رسالة شكر منها ذكرت فيها ان اليونيسكو تشجع اطلاق حوار دائم بين الحضارات، وستكون مصغية لاي اقتراح على هذا الصعيد، وهذا من صلب اهتمام المجتمع الدولي. وبالتالي علينا ان نسعى الى التقاط الفرص الملائمة، وان نحول الفكرة حقيقة. وقد بدأت الخطوات الاولى عبر تبني وزراء الثقافة العرب هذا الاقتراح الذي اعتمد رسميا، وعليّ ان احوله باتصالاتي مع الاونيسكو مشروعاً.
يتابع ورده: "في رأيي ان لبنان شكل دائما مركزا للحوار والحضارات نظرا لما حفل به تاريخه من مرور حضارات عليه، لاحتضانه معتقدات دينية مختلفة. ولبنان قادر على لعب هذا الدور، لانه متجذر في هذا الشرق، وهو يعرف الافكار الشرقية والطوائف الشرقية، وقسم منه ينتمي الى الاسلام، وهو يعرف ايضا العادات الغربية. والانسان اللبناني غني بتجربته، فهو متجذر في ارضه ومنفتح على الآخر. وهو جسر طبيعي لالتقاء الحضارات وتسهيل التحاور". اما الخطوات التي يجب اعتمادها للوصول الى ذلك فيعتبر وردة ان "الخطوة الاولى كانت المباركة العربية، من ثم طرحها على الاونيسكو، اما الخطوة الثالثة فتكون بتحضير اقتراح عملي وعرضه على الاونيسكو، وهناك اشارات ايجابية وردت في رسالة السيدة بوكوفا للاستماع الى الاقتراح اللبناني. ومن الممكن بعد موافقة الاونيسكو ان نرفعها الى الامم المتحدة".
ان متابعة اعلان لبنان مركزا لحوار الحضارات كان سيكون على اجندة الوزير وردة لهذه السنة ونأمل مع التبديل الحكومي ان يظل هذا الموضوع من اولويات العمل في وزارة الثقافة في المرحلة المقبلة.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 5:55 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>