مؤتمر في لبنان يرسم استراتيجية الحدّ من أخطار المخدرات

للاهتمام بنحو 70 في المئة من المدمنين على المخدرات غير القابلين للشفاء، لا بد من اعتماد استراتيجية جاءت بنتائج ايجابية في اوروبا والعالم، حدّت من تعرضهم لامراض قد تكون قاتلة. من هنا بدأ مدير جمعية العناية الصحية وشبكة الشرق الاوسط وشمال افريقيا للحد من أخطار استخدام المخدرات (منارة) ايلي الاعرج، اعتماد بعض من مضمون هذه الاستراتيجية التي حدثنا عنها مفصلا وعن المؤتمر العالمي الذي سيعقد في لبنان في هذا الشأن.
وركز في حديثه على استراتيجية الحد من أخطار استخدام المخدرات، وليس على الوقاية الاولية، اي الوقاية لمتعاطي المخدرات، خصوصا عن طريق الحقن، وذلك لتوعيتهم على أخطار التقاط فيروس الايدز او التهاب الكبد الوبائي، الى أخطار اخرى منها الجرعات الزائدة.
انطلق العمل بهذه الاستراتيجية في اواخر الثمانينات، خصوصا في اوروبا والدول التي ارتفعت فيها نسبة الاصابة بالايدز بين متعاطي المخدرات عن طريق المشاركة بالحقن. وبناء على توصية من الامم المتحدة، عدلت بعض الحكومات قوانينها لتنفيذ توصيات هذه الاستراتيجية الموجهة الى متعاطي المخدرات، خصوصاً من طريق الحقن ومنها:
– العلاج بالبدائل الافيونية: وهو عبارة عن مادة "بوبرونورفين" او "ميثادون"، وهو بديل يحمي من استعمال المخدر عن طريق الحقن، ويقي من الجرعات الزائدة ويساهم في انخراط المتعاطي الذي يخضع لهذا العلاج في المجتمع عبر نشاطه اليومي، والى حد ما لا يتسبب بالجرعة الزائدة.
– تأمين الحقن النظيفة للمدمنين.
– خلق مراكز صديقة للمدمنين، فالمراكز الموجودة غالبا ما ترفض المتعاطين الذين يعانون من التهاب الكبد الوبائي او السيدا.
– تأمين الكشف السري الطوعي والمجاني للايدز.
– تأمين اللقاح لالتهاب الكبد الوبائي.
– تأمين العلاج الثلاثي للمتعايشين مع فيروس الايدز من بين المدمنين.
– الوقاية والعلاج من الامراض المنقولة جنسيا لدى المدمنين.
وشدد ايلي الاعرج على اهمية اعتماد هذه الاستراتيجية: "اولا لانها ترتكز على ان المدمن مريض وليس مجرما، وان الادمان على المخدرات يبدأ كسلوك ادماني، يتحول مرضاً مزمناً.
ثانيا: المدمن هو انسان وله الحق بالعيش بكرامة، وهو مواطن له علينا الحق في تأمين خدماته، فاذا كان الهدف وصول المدمن الى العلاج والامتناع عن التعاطي يبقى الامل في ايصاله الى العلاج والا يكون مصاباً بأمراض اخرى، خصوصا ان معظم متعاطي المخدرات هم من فئة الشباب المنتجة.
عملية توزيع الحقن للمدمنين يرى فيها البعض انها طريقة للتشجيع على التعاطي، الا انها عبارة عن مساعدة المريض في حال الادمان وفي الانتقال من موقع الخارج عن القانون الى موقع المريض المزمن، مما يعني احتضانه وتأمين العلاجات الخاصة به. وغالبا ما كانت اليد الممدودة الى المدمن هي تلك التي تقمعه او تعنفه، أما نحن فنمد يد المساعدة من خلال حمايته من امراض اخرى قد تكون مميتة ومكلفة اكثر للدولة، ونحتضنه للتوصل الى مساعدته في شكل افضل لاحقاً.

ماذا عن 70%؟
اثبتت الدراسات العالمية ان نسبة المدمنين الذين يتعافون من الادمان لا تتخطى الـ 30 في المئة، وبالتالي، كمجتمع، هناك مسؤولية للاهتمام بالـ 70 في المئة الآخرين. واذا كنا نتكلم على مرض مزمن فلا يمكن ان نقنع المريض بالتخلي عن مرضه، بل يجب مساعدته. واكبر مثال عودة عدد كبير الى التعاطي بعد سجنهم او بعد خضوعهم للعلاج".
في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، كانت ايران من اوائل الدول التي طبقت هذه الاستراتيجية، بسبب كبر حجم مشكلة التعاطي والاصابة بالامراض الاخرى، كالايدز والتهاب الكبد الفيروسي، في العام 2010 وبعد اعتماد هذه الاستراتيجية لم تسجل اية اصابة بامراض الايدز بين المدمنين.
العام 2007 تأسست شبكة الشرق الاوسط وشمال افريقيا للحد من استخدام المخدرات، بمبادرة من المكتب الاقليمي لمنظمة الصحة العالمية والجمعية العالمية للحد من أخطار المخدرات، وبتمويل من مؤسسة "دروسوس" السويسرية. وهي عبارة عن سكريتاريا اقليمية مركزها في جمعية العناية الصحية في بيروت وهناك ثلاثة مراكز تدريب وموارد في المغرب، وايران، ولبنان. تدعم هذه الشبكة مشاريع للجمعيات الراغبة في تنفيذ البرامج للحد من الأخطار، كما تعمل على تقوية قدرات منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحكومية ورجال الشرطة في دول المنطقة.

الوضع في لبنان
تعمل جمعية العناية الصحية مع البرنامج الوطني لمكافحة الايدز منذ اواخر التسعينات، على الوقاية في الشارع لدى الفئات الاكثر عرضة لعدوى الايدز، وهم متعاطو المخدرات من طريق الحقن، النساء اللواتي يمارسن الجنس التجاري، والرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال. ويتم تأمين وسائل الوقاية اللازمة مجاناً، كالواقي الذكري والحقن النظيفة، والكشف السري الطوعي والمجاني، للايدز والتهاب الكبد الوبائي، الى توجيه الراغبين في الحصول على الخدمات نحو المراكز المختصة على كل الاراضي اللبنانية. وخلال عملها في العام 2009 استطاعت الجمعية ان تصل الى 3847 شخصاً من الفئات المذكورة (1701 من المدمنين على المخدرات) معظمهم من عمر الشباب، وتبين ان هناك نسبة تفوق الـ60 في المئة يتشاركون الحقن. حاليا تعمل على تقييم هذا البرنامج لتطويره.
"لبنان بدأ يعتمد هذه الاستراتيجية عن طريق تشريع علاج البدائل، وهو علاج من مستخرجات الافيون يؤخذ بطريق الفم في شكل يومي، شرط الا تتعدى الجرعة اليومية نسبة 16 ميليغراماً، ويأخذه المدمن طالما هو بحاجة اليه. وسيكون هذا العلاج في متناول محتاجيه خلال الاشهر القليلة المقبلة، على ان يتم توزيعه بسعر الكلفة في الصيدليات التابعة للمستشفيات الحكومية كمرحلة اختبارية. وتعمل الوزارة على توحيد استمارات الاشخاص ضمن نظام معلوماتي، بالتعاون مع مكتب الامم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، والسفارة الفرنسية.
ولضمان تطبيق العمل في شكل احترافي وقانوني وضعت توجيهات ملزمة تخضع لها الوصفات الطبية باشراف الاطباء النفسيين المدربين، وبالتعاون مع فريق متعدد الاختصاص، وذلك ضمن اطار بروتوكول لمتابعة المرضى وتقديم الدعم والخدمات اللازمة للمدمن ولعائلته.
وهذه التسهيلات لم تكن لتتحقق لولا التزام وزير الصحة، واعتبار القانون اللبناني المدمن مريضاً وليس مجرما ما يوجب التعامل معه على هذا الاساس".
كل عام تنظم الجمعية العالمية للحد من أخطار استخدام المخدرات مؤتمراً دولياً يضم ما يزيد عن الالف مشارك من بين الباحثين والاكاديميين والعاملين الميدانيين ومتعاطي المخدرات، لمناقشة المستجدات العلمية والمشاركة بالبحوث، بالاضافة الى تبادل الخبرات والعمل الميداني. هذا العام سيفتتح المؤتمر الـ22 اعماله في بيروت بين 3 و7 نيسان برعاية وزير الصحة، وهي المرة الاولى التي يعقد في المنطقة العربية وشمال افريقيا، وذلك بسبب النجاحات التي حققتها شبكة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، إذ اصبحت مجموعة من دول المنطقة تعتمد بعض، او كل، النقاط الاستراتيجية للحد من الأخطار، كما ان هناك حاجة لعقد مثل هذا المؤتمر لتفادي ازدياد عدد الاصابات بين متعاطي المخدرات عن طريق الحقن، وللمحافظة على مستوى متدنٍ من الاصابة بعدوى الايدز.

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 4:59 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>