عندما يخالف الحريري… فتوى السعودية في لبنان!

إذا صدقت فتوى كبار العلماء في السعودية التي قضت بتحريم التظاهر، فهذا يعني التكفير الديني والسياسي غير المباشر للرئيس سعد الحريري، بوصفه الداعي الاساسي للتظاهرة اللبنانية المقررة الاحد المقبل ضد السلاح.
ووفق الفتوى السعودية إياها، فإن الاصلاح «لا يكون بالتظاهرات والوسائل والاساليب التي تثير الفتن، بل بالتناصح والتفاهم والتعاون على البر والتقوى»، الامر الذي يجعل خطاب الحريري وسلوكه في هذه المرحلة متناقضين عمليا مع مضمون ما أفتى به كبار العلماء والفقهاء السعوديين.
لكن يبدو ان رئيس تيار المستقبل استند في حملته المنظمة على المقاومة الى «فتوى سياسية» تجيز له تحريك شارعه ضد سلاح «حزب الله»، ضمن معركة مفتوحة يعرف الحريري كيف أطلق الرصاصة الاولى فيها، لكنه لن يعرف على الارجح كيف ستنتهي. وبهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي امام الحريري ليس إنجاح تجمع الاحد المقبل، بل إيجاد إجابة مقنعة للرد عن السؤال البديهي: وماذا عن اليوم التالي؟
لا يوحي المقربون من الحريري بأنهم يملكون، أقله حتى الآن، إجابة جاهزة تعكس رؤية دقيقة حول كيفية الخروج من الحرب المعلنة على السلاح بنصر مضمون، في ظل الخلل الواضح في موازين القوى الداخلية والتحولات الكبرى اقليميا. بالنسبة اليهم، لم يكن هناك من خيار أصلا إلا مواجهة «الانقلاب» على سعد الحريري، لأنه كان بمثابة «الشعرة التي قصمت ظهر البعير».
برأي «الحريريين»، المسألة لا تتصل بموازين قوى وحسابات ربح وخسارة، بل تتعلق بموقف مبدئي كان يُحتّم إعلان الطلاق بعد ضبط حالة «الخيانة الزوجية» بالجرم المشهود المتمثل في إسقاط حكومة الحريري من داخلها، عبر استقالة وزراء المعارضة آنذاك بطريقة ضربت روحية اتفاقي الطائف والدوحة القائمة على التوافق واحترام حيثيات التركيبة اللبنانية، في حين ان سعد الحريري صبر اشهرا وتحمل ما لا يُحتمل حتى تمكن من تشكيل حكومة وحدة وطنية.
ويضيف مؤيدو الحريري: «لقد كانت استقالة وزراء 8 آذار ضربا تحت الحزام، وإخلالا بأعراف سياسية ووطنية تشكل ضمانة للتوازن الداخلي. وليكن معلوما ان ما حصل أصبح سابقة من شأنها ان تبيح مستقبلا استعمال الاسلوب ذاته من قبل أي فريق».
ويعتقد المحيطون بالحريري ان واقعيته المفرطة طيلة الفترة الماضية أفقدته مصداقيته امام جمهوره، من دون ان يأخذ من حزب الله ما كان ينتظره. يقر هؤلاء بان جمهور تيار المستقبل اصابه نوع من الإحباط خلال العامين الماضيين، «لكن ليس لأن سعد الحريري لم ينجح في التفاهم مع حزب الله، بل لانه بالغ في إعطاء الفرص لهذا التفاهم، خلافا لمزاج الشارع الذي كان يعارض موافقته على تسوية الدوحة وقبوله بتشكيل حكومة وحدة وطنية في أعقاب فوز 14 آذار في الانتخابات النيابية 2009، لذلك قرر الرجل ان يعود الى قواعده ويتصالح معها بعدما ثبت ان حدسها السياسي كان مصيبا».
يشعر المقربون من الحريري بأن الحزب كان يستثمر كل تسوية او هدنة مع رئيس تيار المستقبل لقضم مكاسب إضافية على حساب النظام الديموقراطي والنصوص الدستورية، مستقويا إما بسلاحه المباشر كما حصل في 7 أيار، او بوهج هذا السلاح كما جرى في صباح «القمصان السود»، ليدفع بذلك حتى المعتدلين في تيار المستقبل الى الالتحاق بسرب الصقور.
وبناء على هذا التوصيف للتجربة، يجزم هؤلاء بأن حزب الله لن يجد في المدى المنظور من يوقع معه على أي تسوية او اتفاق، «لأن منطق الحل الوسط لم يعد يصلح في مقاربة ملف السلاح بعدما فرّط الحزب بمصداقيته السياسية وانزلق في سلوكه نحو الخلط بين سلاح المقاومة وذاك الموجه الى الداخل، بحيث بات من الصعب التمييز بينهما، لا سيما ان قيادة الحزب لم تبادر الى أي خطوة احتوائية بعد الحوادث المتكررة في قلب بيروت، من قبيل سحب بعض السلاح او أقله تقديم الاعتذار، فضاعت الفرصة وأصبح من المتعذر الآن العودة الى قواعد اللعبة القديمة».
ويؤكد مريدو الحريري انه سيستخدم كل الوسائل الديموقراطية المشروعة في معركته ضد السلاح، سواء بالعمل لاستعادة الاكثرية النيابية، او عبر الدفع نحو صدور تشريعات معينة عن مجلس النواب، او من خلال الدعوة الى إجراء انتخابات نيابية مبكرة، «والمهم ان لا عودة الى الوراء هذه المرة».
ولا يبدو وضع وليد جنبلاط أفضل حالا، كما يظهر من شرفة «الحريريين». من وجهة نظرهم، يواجه زعيم المختارة مأزقا حقيقيا داخل طائفته، لان جزءا كبيرا من جمهورها ما زال متعاطفا مع حركة 14 آذار، وهو الذي كان من مؤسسيها عند انطلاقتها عام 2005. ويروي المحيطون برئيس تيار المستقبل ان 400 شخص من المنتمين الى الحزب التقدمي الاشتراكي شاركوا في احتفال «البيال» مؤخرا، «ومن المرجح ان يشارك عدد أكبر في تجمع الاحد تعبيرا عن استمرار القناعة بخياراتنا، وهذا ما يقلق جنبلاط ويدفعه للتوتر».
وفي الخلاصة، تعتبر أوساط الحريري ان ارتفاع نبرة خطابه هذه الايام مشروع، مستشهدة بالقول المأثور: «ويل من غضب الحليم»!

آخر تحديث: 12 ديسمبر، 2014 5:54 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>